solana136_Ashley CooperConstruction PhotographyAvalonGetty Images_china us Getty Images

إعادة تعريف الارتباط مع الصين

مدريد ــ منذ قام مستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك هنري كيسنجر بزيارة إلى الصين في عام 1971، كان الالتزام بالمشاركة مع الجمهورية الشعبية سِـمة أساسية من سمات الدبلوماسية الأميركية. مع ذلك، يشير تدهور العلاقات الأميركية الصينية في السنوات الأخيرة إلى أن هذه السياسة ربما بلغت منتهاها.

ربما يكون من الممكن تفسير القمة الافتراضية التي جمعت بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينج على أنها محاولة أخيرة لإنقاذ العلاقات الثنائية. هذه خطوة إيجابية: فقد لعبت سياسة المشاركة دورا بالغ الأهمية في تثبيط المواجهة بين الولايات المتحدة والصين. لهذا السبب، ينبغي للولايات المتحدة أن تجدد التزامها بالمشاركة، ولكن في إطار نهج مُـحَـدَّث يضع في الحسبان أجندة تتسم بالعالمية على نحو متزايد.

أثناء الحرب الباردة، توخت الولايات المتحدة المشاركة مع الصين كوسيلة لدمج البلاد في النظام الدولي، وليس احتوائها أو عزلها. في مقال نُـشِـر عام 1967 في مجلة الشؤون الخارجية، زعم رئيس الولايات المتحدة المقبل آنذاك ريتشارد نيكسون أننا "لا يمكننا ببساطة أن نترك الصين إلى الأبد خارج أسرة الأمم، لترعى أوهامها هناك، وتكرس كراهيتها، وتهدد جيرانها".

دفعت نهاية الحرب الباردة العالم إلى وضع غير عادي تاريخيا: كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة الوحيدة في العالم. وهكذا، حددت السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك تصدير الديمقراطية والقيم الليبرالية، الأجندة العالمية.

أدى هذا الوضع إلى نشوء جهود لتعزيز التحرير في الصين. وصَـفَـت "استراتيجية الأمن الوطني لعصر عالمي" التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي بِـل كلينتون في عام 2000 نهجا للمشاركة ركز على تشجيع الصين على "إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية مهمة".

في الوقت الحاضر، لا تحظى المشاركة مع الصين بشعبية كبيرة بين صناع السياسيات في الولايات المتحدة. بل إن إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب رفضتها بشكل قاطع.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2022_YA2022_Web_Discount

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world’s leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, topical collections, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more – for less than $5 a month.

Subscribe Now

ردد بعض الواقعيين في عالم السياسة الخارجية هذا الادعاء، زاعمين أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 سهل صعودها كمنافس استراتيجي للولايات المتحدة. وفقا لهذا الرأي، كانت الولايات المتحدة ساذجة عندما تصورت أن التحرير الاقتصادي من شأنه أن يُـفضي إلى الإصلاح السياسي، ناهيك عن أن يؤدي إلى تحول الصين إلى عضو مسؤول في المجتمع الدولي.

تغلغل هذا المنظور في السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة. وفي وقت حيث يبدو الجمهوريون والديمقراطيون عاجزين عن الاتفاق على أي شيء، فإنهم موحدون بشأن الحاجة إلى سياسة صارمة في التعامل مع الصين.

لكن هذا الموقف ينطوي على عيب قاتل. فالمشاركة ذات قيمة عظيمة ليس فقط لقدرتها على تغيير الصين من خلال تحفيز التحرير السياسي والاقتصادي. فالمشاركة تعمل أيضا على تشكيل البيئة الدولية التي تشهد صعود الصين بطرق كفيلة بإثنائها عن تبني سلوكيات المجابهة.

الواقع أن سياسة المشاركة الأميركية الصينية خلقت الظروف الضرورية، وإن لم تكن كافية، لإحباط الصراع. من خلال تعميق التجارة الثنائية والاستثمار، أدت سياسة المشاركة إلى التشابك بين الاقتصادين بدرجة غير مسبوقة. في عام 2019، دعمت الصادرات إلى الصين 1.2 مليون وظيفة في الولايات المتحدة، في حين تشير تقديرات Rhodium Group إلى أن المستثمرين الأميركيين في نهاية 2020 كانوا يمتلكون ما قيمته 1.1 تريليون دولار من الأسهم التي تصدرها شركات صينية.

كما زعم العالِـم السياسي جوزيف س. ناي، فإن التأثير الرادع المترتب على الاتكالية المتبادلة يزيد من تكاليف المواجهة التي قد يتكبدها كل من المعتدي والضحية. على سبيل المثال، في عام 2010، حـث جيش التحرير الشعبي الصيني الحكومة عل بيع بعض من حيازات الدولة من الدولارات لمعاقبة الولايات المتحدة بسبب بيعها الأسلحة إلى تايوان. قاوم بنك الشعب الصيني هذا الاتجاه، مستشهدا بالتكاليف الضخمة التي قد يتكبدها الاقتصاد الصيني نتيجة لهذا. وانحازت الحكومة لجانب بنك الشعب الصيني.

ولكن في حين قد تساعد الاتكالية المتبادلة على الصعيد الاقتصادي في ردع المواجهة، فإنها لن تؤدي إلى التعاون بالضرورة. كان هذا واضحا خلال أزمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19). فمع توالي فصول الجائحة، فشلت الولايات المتحدة والصين في صياغة استجابة مشتركة، ولجأت كل منهما عوضا عن ذلك إلى اللوم المتبادل، والحروب الدعائية، ونظريات المؤامرة.

اليوم، أصبحت الضرورات الملحة التي تتجاوز الحدود الوطنية ــ مثل إدارة المنافع العامة العالمية ــ تحدد المعالم الجيوسياسية. في أعقاب مؤتمر الأمم المتحدة الأخير لتغير المناخ (COP26) الذي استضافته مدينة جلاسجو، يظل هدف الحد من تأثير الانحباس الحراري الكوكبي بحيث لا يتجاوز ارتفاع حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة قائما، ولكن بالكاد. ويتطلب تحقيق هذا الهدف جهودا خارقة يدعمها التعاون بين الولايات المتحدة والصين.

في هذا السياق، من الأهمية بمكان أن تتبنى الولايات المتحدة والصين إطار عمل للمشاركة يكون موجها نحو حل المشكلات العالمية ودعم التعاون حتى في أوقات الخلاف. يقترح إطار العمل المفصل حول العلوم والتكنولوجيا، الذي طورته فاليري جيه. كاربلس من جامعة كارنيجي ميلون، استراتيجية لاحتضان فرص التعاون القليلة المخاطر والعظيمة العائد في أوقات التوتر، وملاحقة مبادرات أكثر طموحا عندما تكون العلاقات في حال أفضل.

في الوقت ذاته، يتعين على الولايات المتحدة والصين العمل على ترسيخ مبدأ الانتظام في علاقتهما. في أوقات عدم اليقين، من المرجح أن تحدث المواجهة عن طريق المصادفة. ولتخفيف هذا الخطر، ينبغي للقوتين أن تستجيبا لنصيحة وزير خارجية الولايات المتحدة السابق جورج شولتز، فتلتزم كل منهما "برعاية الحديقة الدبلوماسية" ــ بمعني التعامل مع الدبلوماسية ليس بوصفها مسعى مخصصا لغرض بعينه، بل باعتبارها عادة.

خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، كان نهج الولايات المتحدة في التعامل مع الصين مناسبا للعصر. لكن الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الوحيدة في العالم. في الحقبة المقبلة، ستكون الولايات المتحدة واحدة من قوتين عظميين تحيط بهما قوى جيوسياسية متوسطة. وهذا يعني أن الولايات المتحدة يتعين عليها أن تغير نهجها، بل ويعني أيضا أن القوى المتوسطة ــ التي تمثل حصة أكبر من الاقتصاد العالمي مقارنة بحصة الولايات المتحدة والصين مجتمعتين ــ يجب أن تساهم في إدارة المنافسة الصينية الأميركية.

لكل هذا، يجب أن تصبح سياسة المشاركة مسؤولية مشتركة تلزم القوى الأخرى بمضاعفة جهودها. هذا من شأنه أن يخلف تأثيرا إيجابيا على الأمن الدولي، ويجعل البشرية في وضع أفضل لمواجهة التحديات العالمية الملحة التي نوجهها جميعا.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/Fo5x8Swar