1

المخاطر المترتبة على اقتصاد مشاركة الحليب

كولومبوس ــ على مدى آلاف السنين، كان الأطفال الرُضَّع يتغذون في بعض الأحيان على حليب ثدي أم أخرى. وسواء لضمان بقاء الرضيع بعد وفاة أو مرض أمه، أو كجزء من تقليد المرضعة (وهو التقليد الشائع بين الأسر ذات المكانة الاجتماعية المرتفعة في بعض الثقافات)، كانت مشاركة حليب الثدي ممارسة مقبولة لفترة طويلة، وإن لم تكن منقذة للحياة. ولكن على مدى السنوات الخمس إلى العشر الأخيرة، ظهر نوع جديد من اقتصاد مشاركة الحليب على الإنترنت ــ وهي الممارسة التي تؤدي إلى تضخيم مخاطر بعينها تهدد صحة الرضع المتلقين للحليب.

والآن هناك العديد من المواقع على شبكة الإنترنت تقوم بالربط بين النساء المرضعات اللاتي لديهن فائض من الحليب والأمهات اللاتي يطلبن هذا الحليب بسبب عدم قدرتهن على تلبية احتياجات أطفالهن. في عام 2011، سجلت أكثر من 13 ألف امرأة على مثل هذه المواقع بهدف توفير الحليب أو الحصول عليه، سواء بالمجان أو بمقابل. واليوم، ارتفع هذا الرقم إلى 55 ألف امرأة.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

علاوة على ذلك، وبرغم أن هذه المواقع كانت حتى الآن هي الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، فإنها بدأت تظهر في العديد من البلدان الأخرى. وبطبيعة الحال، ربما يتقاسم عدد أكبر من النساء الحليب، ليس عن طريق شبكة الإنترنت، مع صديقات أو قريبات أو معارف.

وربما يمكننا تفسير الطفرة الأخيرة في مشاركة الحليب بتحول المواقف تجاه الرضاعة الطبيعية في العديد من البلدان، حيث ترسل أوساط الصحة العامة والدوائر الطبية رسالة مفادها أن الرضاعة الطبيعية هي الخيار الأفضل للأطفال الرضع. وهي الرسالة التي استقبلها جيل الألفية بحماس. ففي الولايات المتحدة اليوم، سنجد أن الأمهات أصبحن أكثر ميلاً إلى الإرضاع الطبيعي من أي جيل سابق منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يتلقى 79% من الأطفال الرضع الرضاعة الطبيعية مرة واحدة على الأقل.

في أيامنا هذه، يتحدث العديد من الأمهات الشابات عن شعورهن بضغوط اجتماعية قوية، ناهيك عن الضغوط الذاتية، تدفعهن إلى توفير الرضاعة الطبيعية لأطفالهن كجزء من نهج "طبيعي بالكامل" في تربية الأطفال ــ وهو النهج الذي يتجنب ألبان الرضع البديلة التي تنتجها شركات "غير جديرة بالثقة". والمشكلة هي أن العديد من النساء يجدن صعوبة في الرضاعة الطبيعية، ويفتقرن إلى القدرة على الحصول على دعم الرضاعة العالي الجودة في الوقت المناسب، ويواجهن مطالب ثقيلة، وخاصة في العمل، تجعل الاستمرار في الرضاعة الطبيعية أمراً صعبا. وهذه هي العوامل التي ربما تدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى مشاركة الحليب ــ وهي العملية التي كثيراً ما تعمل وسائل الإعلام الاجتماعية على تيسيرها.

والمشكلة هي أن عامة الناس يفتقرون إلى الفهم الكافي للمخاطر والفوائد المترتبة على مشاركة الحليب. فقد أعطت رسائل الصحة العامة بعض النساء انطباعاً مفاده أن الحليب البشري مادة لا تشوبها شائبة، وكثيراً ما توصف في مجتمعات الرضاعة الطبيعية على شبكة الإنترنت بمصطلحات مثل "الذهب السائل".

ولكن الحليب البشري الخام من الممكن أن يحمل أمراضاً معدية مثل فيروس نقص المناعة البشرية، والزهري، والتهاب الكبد. ومن الممكن أن تؤدي البكتيريا المسببة للأمراض، مثل السالمونيلا وبكتيريا القولون إلى الإصابة بأمراض تنقل عن طريق الغذاء. وإذا كانت المرأة المرضعة تستخدم عقاقير طبية موصوفة أو أخرى ترفيهية، فإن حليب ثديها من الممكن أن ينقل نواتج أيض العقاقير. وبطبيعة الحال، من الممكن أن تلجأ بعض بائعات حليب الثدي إلى غش منتجاتهن لزيادة الكمية والأرباح.

في عام 2010، حذرت وزارة الغذاء والأدوية في الولايات المتحدة الجمهور ضد تغذية الرضع بحليب من مصادر غير مألوفة، مستشهدة بسلسلة من المخاطر، التي أكد فريقي البحثي الكثير منها منذ ذلك الوقت. الواقع أن ثلاثة أرباع من عينات الح��يب التي اشتريناها عبر الإنترنت كانت شديدة التلوث بالبكتيريا حتى أنها لم تكن آمنة لتغذية رضيع من دون بسترتها أولا. وعلاوة على ذلك، كانت نحو 21% من العينات تحتوي على فيروسات مضخمة للخلايا، والتي من الممكن أن تؤدي إلى ضعف النمو العصبي لفترة طويلة في الأطفال الرضع المعرضين للإصابة بها. وكانت واحدة من كل عشر عينات تحتوي على كميات كبيرة من الإضافات من حليب البقر أو الألبان الصناعية.

بيد أن وزارة الغذاء والأدوية لم تتخذ رغم هذا الخطوات اللازمة لتنظيم تبادل الحليب البشري، ومن الواضح أن نهج "على الشاري أن يتوخى الحذر" ليس كافياً ببساطة لحماية الأطفال الرضع الذين يتغذون على الحليب المشترك. فما لم تكن تمتلك مختبراً في مطبخك، لن يكون بوسعك أن تعرف على وجه اليقين أن ما تحصل عليه هو في حقيقة الأمر حليب صحي وبشري 100%.

وحتى إذا كان بوسع الآباء أن يختاروا مانحات الحليب الموفورات الصحة، فإن الفوائد المترتبة على مشاركة الحليب تظل محل شك. الواقع أن الأدلة العلمية القائمة للتأكيد على فوائد حليب الثدي وأفضليته على ألبان الأطفال نشأت عن دراسات تفترض أن الأمهات يرضعن أطفالهن من أثدائهن. ونحن لا نعرف ما إذا كانت هذه النتائج صحيحة بنفس القدر عندما يتغذى طفل رضيع على حليب أم أخرى باستخدام زجاجة.

على هذا، وبرغم أن الرضاعة الطبيعية تظل هي الاختيار الأفضل للأمهات القادرات، فإن التركيز الضيق الأفق السائد اليوم على الرضاعة الطبيعية من الممكن أن يؤدي إلى تأثيرات عكسية ضارة ــ على الأقل في البلدان المتقدمة حيث البدائل الآمنة متاحة. ففي بلدان مثل الولايات المتحدة، تضمن القواعد التنظيمية القوية قدرة الأمهات غير القادرات على إرضاع أطفالهن بشكل طبيعي على الحصول على ألبان الأطفال الرضع الآمنة والمغذية قدر الإمكان، استناداً إلى معرفة علمية قائمة ــ ناهيك عن مياه الشرب النظيفة المستخدمة لتجهيزها. وحيثما تكون الرضاعة الطبيعية شديدة الأهمية ــ في كثير من الأحيان بأي وسيلة ضرورية ــ فإن هذا يكون في بيئات حيث ألبان الأطفال البديلة أو المياه النظيفة غير متاحة، أو باهظة الثمن، أو لا يمكن الاعتماد عليها.

هذا لا يعني أن الأمهات في البلدان المتقدمة اللاتي يناضلن لتلبية احتياجات أطفالهن لابد أن يلجأن بالضرورة إلى ألبان الأطفال البديلة. بل على العكس من ذلك، تستطيع الحكومة أن تتخذ خطوات ــ من تشجيع سياسات محل العمل الأكثر مرونة، بما في ذلك تحسين خيارات إجازات الأمومة والأبوة، إلى توسيع إتاحة دعم الرضاعة العالي الجودة ــ للمساعدة في ضمان تمكين الأمهات اللاتي يرغبن في إرضاع أطفالهن طبيعياً من القيام بذلك.

وعلاوة على ذلك، لابد أن تعمل حملات الصحة العامة على توسيع رسالتها بحيث تشمل دعم النساء اللاتي يناضلن لإرضاع أطفالهن طبيعيا. ويتضمن هذا مساعدة النساء في الشعور بقدر أكبر من الارتياح في السعي إلى الحصول على دعم الرضاعة في وقت مبكر، وإدراك حقيقة مفادها أن بعض النساء لن يكن قادرات على إشباع احتياجات أطفالهن من التغذية بحليبهن فقط، وأننا لا ينبغي لنا أن نشعرهن بالذنب لاستخدامهن ألبان الأطفال البديلة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وينبغي لأطباء الأطفال أن يعكفوا على تعزيز هذه الرسائل، من أجل مساعدة الأسر في اتخاذ القرارات الخاصة بالتغذية والتي تضع في الاعتبار الاحتياجات الخاصة لكل من الأم والطفل. والواقع أن الوعي بانتشار مشاركة الحليب، والاستعداد لتعزيز مناقشة مفتوحة حول هذه الممارسة، من الممكن أن يقطع بنا شوطاً كبيراً نحو تحقيق هذه الغاية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel