11

مجالات عامة لعصر ترامب

بيركلي ــ في العديد من المجتمعات، تُعَد الجامعات المعاقل الرئيسية للاستقلال الإيديولوجي والفكري. ونحن نعتمد عليها لنقل قيمنا إلى الشباب، ودعم الاستكشاف والبحث في الحالة الإنسانية في الأمدين القريب والبعيد. وفي أميركا في عهد ترمب، تُصبِح الجامعات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

على النقيض من الجامعات، لم تكن المؤسسات الإعلامية الهادفة للربح على قدر المهمة المتمثلة في رعاية "مجال عام" قوي. وتعكس تغطيتها حتما ضغوطا هائلة لإرضاء قاعدتها ــ من المعلنين أو المستثمرين ــ أو على الأقل تجنب الإساءة. ولهذا السبب، وَضَع الكاتب والمعلق السياسي الأميركي والتر ليبمان ــ وهو ليس غريبا على عالَم الصحافة ــ ثقته جوهريا في المثقفين الشعبيين العاملين في الجامعات، أو في مراكز البحوث، أو غير ذلك من معاقل الفِكر.

في القسم الأكبر من عصر ما بعد الحرب، كانت التشوهات البنيوية التي تعيب وسائط الإعلام الساعية إلى الربح غير ضارة نسبيا. وكان اليمين المتطرف في المنفى السياسي، بعد أن أطلق العنان للنازية والفاشية ليعيثا في العالَم فسادا. ولم يسْلَم اليسار المتطرف من معوقات وعراقيل خاصة به: ذلك أن "الاشتراكية التي كانت قائمة حقا" في الكتلة السوفييتية قاتلة وغير منتجة.

ولم يترك هذا سوى الصورة الثلاثية الشمال أطلسية التي تتألف من الديمقراطية السياسية، والأسواق الحرة، والضمان الاجتماعي. والواقع أن المناقشات التكنوقراطية حول كيفية تحقيق أعظم قدر من الخير لأغلب الناس من الممكن أن تتقدم من دون النظريات الإيديولوجية البالية. وكان الغرب يعيش خلال "نهاية الإيديولوجية"؛ أو ربما حتى بقدر أكبر من التفاؤل "نهاية التاريخ".

لكننا نواجه الآن ما أسماه لورانس سامرز "تحديات عصر ترمب"، ومن الواضح أن المخاطر جسيمة. في تعليق حديث لصحيفة فاينانشال تايمز، يرثي سامرز الجامعات التي فشلت بشكل خاص في الارتفاع إلى مستوى تحديات اليوم.

بادئ ذي بدء، يدعو سامرز الجامعات عن حق إلى بذل المزيد من الجهد في "اختيار، وقبول، وتعليم الطلاب المحرومين اقتصاديا". فعندما تقبل الجامعات الطلاب المعدين جيدا فقط، فإن هذا لا يجعلها كسولة فحسب، بل إنها بذلك تخذل طلابها، وأعضاء هيئة التدريس، والمجتمعات التي تخدمها. فلا ينبغي لنا أن نعتبر الطلاب المحرومين الذين هم أقل استعدادا من أقرانهم مسؤولين عن الظروف التي ولدوا فيها.

بالمصطلح الاقتصادي، من وظيفة الجامعات أن تعمل على تعظيم "القيمة المضافة" التعليمية، وهذا يعني أنها ينبغي لها أن تبحث عن الطلاب الذين يمكنهم تحقيق القدر الأعظم من الاستفادة من خدماتها. وبمجرد قبولهم، لابد من تزويد هؤلاء الطلاب بكل ما يحتاجون إليه لإتمام دراستهم.

وسامرز محق أيضا عندما يرى أنه "من المرعب أن تحظى الولايات المتحدة الآن بأول رئيس في عالَم ما بعد العقلانية، والذي ينكر العِلم، ويقترح ميزانيات غير سليمة حسابيا، ويتبنى حقائق بديلة". وينبغي للجامعات، كما يشير سامرز، أن تكون "حِصنا للحوار الصريح المفتوح كطريق نحو قدر أعظم من الحقيقة". والواقع أن الجامعات ليست أماكن للتعبير عن الأفكار فحسب، بل وأيضا تقييم هذه الأفكار. وينبغي لنا أن نرعى التنوع الفكري؛ ولكن يتعين علينا أيضا أن نرفض الأفكار الفاشلة، أو غير السليمة، أو المخادعة.

ولهذا السبب، ربما يعرض أعضاء هيئة التدريس أو طلاب الجامعات أي حجة أو فكرة يعتقدون أنها تستحق المزيد من التحقيق. كما ينبغي لهم أن يتمتعوا بحرية دعوة المتحدثين الذين يشاركونهم وجهات نظرهم. وسامرز محق في أن الجامعة ليست مكانا لمنح حق النقض لأولئك الراغبين في إحراز قصب السبق بالاستعانة بقوة مشاعرهم وليس قوة حجتهم".

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض التضارب بين رفض الأفكار الفاشلة والحفاظ على التنوع الفكري. وتتلخص قاعدة أساسية قدمها لنا قبل سبعين عاما المؤرخ إرنست كانتورويتز في أن أولئك الذين يطرحون أي فكرة لابد أن يتعهدوا أمام "ضمائرهم وربهم" بأن يكونوا مخلصين حيالها.

ولنتأمل هنا المثال الذي يستشهد به سامرز: الزيارة التي قام بها تشارلز موراي إلى ميدلبري كوليدج، التي أسفرت عن مظاهرات طلابية ضخمة. في منتصف تسعينيات القرن العشرين رأيت موراي يناقش كتابه السيئ السمعة "منحنى بِل: الذكاء والبنية الطبقية في الحياة الأميركية"، ولم يخلف في نفسي انطباعا قويا. ومنذ ذلك الوقت، لم تلق أفكار موراي قبولا حسنا ــ وخاصة ادعاءاته حول الذكاء والعِرق.

ولهذا، أعتقد أن موراي ينبغي أن يُسمَح له بالكلام ما دام قد دُعي. ولكن طلاب ميدلبري الذين وجهوا إليه الدعوة مدينون أيضا لضمائرهم، وربهم، وبقيتنا بأن يفسروا لنا بنية حسنة لماذا يعتقدون أن أفكاره لا تزال تستحق الاعتبار.

يتعلق أحد المجالات التي أختلف فيها مع سامرز بدفاعه عن الاستحقاق. ذلك أن اقتراحه بأن الاستحقاق خير محض يتجاهل منشأ المصطلح، الذي صاغه عالِم الاجتماع مايكل يونج في كتابه الهجائي الشنيع الصادر عام 1958 بعنوان "صعود الاستحقاق".

يُبدي سامرز الامتعاض لأن أعضاء هيئة التدريس يجري الآن "تدريبهم على أنه من قبيل الخطأ بل وحتى من قبيل العنصرية أن نقول إن أميركا أرض الفرص أو أن الاستحقاق أمر جيد". ولكن تحديد ما إذا كانت مثل هذه التصريحات مستهجنة يتوقف على السياق الذي تُذكَر فيه. ومن الجيد أن نشجع الشباب الواعدين على العمل الجاد. ولكن مدى استحقاقنا حَكَم غير جدير بالثقة على قيمة الفرد، نظرا لمدى تمييز مبدأ الاستحقاق ضد أولئك من غير المجهزين، ليس لخطأ ارتكبوه، لتلبية معاييرها لقياس النجاح.

عند هذه المرحلة من المناقشات حول الجامعات اليوم، كثيرا ما يظهر فجأة مصطلح "الفضاء الآمن". من المؤكد أن الجامعات لابد أن تكون أماكن آمنة لتبادل الأفكار والحكم عليها، وتغيير المرء لرأيه في مواجهة حجج وأدلة جديدة. ومن جانبه، كان سامرز محقا عندما قال إن "التعليم الليبرالي الذي لا يتسبب في إحداث لحظات من الانزعاج الشديد فاشل". ولكنه يخطئ عندما لا يعترف بأن بعض الطلاب يجربون الانزعاج الشديد عندما يُفرَض عليهم أن يشعروا وكأنهم غير منتمين.

باعتبارها مجتمعات للحديث والمناقشة، تتعرض الجامعات لمنغصات وانقسامات، وهذا هو السبب وراء ضرورة إعلاء قيمة الكياسة والأخلاق، كما أكد سامرز عن حق. وعلاوة على ذلك، كثيرا ما يُنظَر إلى الاضطرابات في الحرم الجامعي باعتبارها علامة على الاختلال المجتمعي. ويستشهد سامرز بالمؤرخ ريك بيرلستين لكي يذكرنا بأن صعود رونالد ريجان السياسي في ستينيات القرن العشرين عَكَس جزئيا "شجبه" للاحتجاجات الطلابية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي في ذلك الوقت. ويظن سامرز أن التطرف في الحرم الجامعي آخذ في الارتفاع من جديد، وأن "الآثار السياسية ستدور حول نفس الأمر الآن كما كانت آنذاك". ويكاد المرء يتصور أن ترمب يعتمد على ذلك.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali