0

جِسر إلى التعليم الشامل

نيويورك ــ في عالَم صِدامي عدواني حيث تتصاعد تدابير الحماية؛ أصبحت تعددية الأطراف هدفا سهلا للانتقاد. ولكن من المؤكد أن أولئك الذين يشككون في قيمتها يعانون من فقدان الذاكرة. فمن الواضح أنهم نسوا أن خطة مارشال أعادت بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأن حلف شمال الأطلسي نجح في منع نشوب حرب نووية خلال فترة الحرب الباردة، وأن المساعدات الخارجية ساهمت في انتشال الملايين من براثن الفقر خلال العقود القليلة الفائتة.

في اجتماعات الربيع السنوية المقبلة المشتركة بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تستضيفها مدينة واشنطن عاصمة الولايات المتحدة، سوف تعمل الوفود المجتمعة على تعزيز الحجة لصالح التعاون الدولي. وسوف نركز بشكل خاص على مناقشة المرفق الدولي لتمويل التعليم، والذي يُعَد خطة جريئة لضمان حصول كل الصبية والفتيات في العالم ــ بما في ذلك الأطفال اللاجئين والنازحين في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل ــ وعددهم 1.6 مليار نسمة لأول مرة في التاريخ على الفرصة لدخول المدرسة والتعلم.

يستمد المرفق الدولي لتمويل التعليم الإلهام من مثالين بارزين في التعاون الدولي: مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي ألغت 100 مليار دولار من الديون المستحقة التي لا أمل في سدادها؛ والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، الذي أنقذ ملايين الأرواح من خلال توفير التحصينات وغير ذلك من الخدمات.

ومن جانبه، سوف يعمل المرفق الدولي لتمويل التعليم على تيسير استثمارات سنوية في التعليم بما يقرب من 10 مليار دولار. وبالاستعانة بهذه الموارد، يصبح بوسعنا تحقيق تقدم كبير نحو تحقيق هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة الخاص بالتعليم، والذي يهدف إلى إتاحة التعليم الابتدائي والثانوي لكل الأطفال بحلول عام 2030.

تمثل المساعي المبذولة لتحقيق هدف التعليم الشامل النضال الأصعب في عصرنا في مجال الحقوق المدنية. فبعد سنوات من الإهمال الدولي، أصبح 260 مليون طفل خارج المدرسة، ونحو 400 مليون طفل يعانون من الأمية الوظيفية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية فسوف يترك أكثر من 800 مليون شاب ــ نصف شباب العالَم ــ المدرسة قبل حصولهم على المهارات الأساسية الضرورية لسوق العمل الحديثة. وبحلول عام 2050، سوف يكون التعليم العالي متاحا لنحو 80% من الشباب في كوريا واليابان وتايوان، ولكنه لن يكون متاحا إلا لنحو 10% من الشباب في دول منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

وتُصبِح الحاجة إلى الاستثمار الموسع في التعليم أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بالفتيات والشابات. إذ يُعَد ضمان التحاق الفتيات بالمدارس الوسيلة الأكثر فعالية لحمايتهن من الاستغلال، والعمل القسري، والإتجار، وزواج الأطفال. وعلاوة على ذلك، في حين تحمل المرأة المتعلمة طفلين في المتوسط، يرتفع المتوسط بين النساء غير المتعلمات إلى خمسة أطفال. ويعمل معدل المواليد المرتفع بين النساء غير المتعلمات على خلق حلقة مفرغة. فبينما ينجب النساء الشابات الأميات عددا أكبر من الأطفال، ينخفض متوسط نصيب الفرد في الدخل، ويُضطر هؤلاء الأطفال، الذين تفوتهم فرصة التعليم هم أيضا، إلى الهجر�� على نحو متزايد بحثا عن الفرص في أماكن أخرى.

ولكن على الرغم من الجهود الطيبة التي تبذلها منظمات متعددة الأطراف مثل الشراكة العالمية من أجل التعليم والصندوق الجديد الذي يحمل مسمى التعليم لا يمكن أن ينتظر، انخفض إجمالي المساعدات في مجال التعليم في السنوات الأخيرة. ففي الفترة من 2010 وحتى يومنا هذا، انخفض إجمالي تمويل التعليم في الدول المنخفضة الدخل ودول الدخل المتوسط الأدنى من المعونات الثنائية والدولية من 10 دولارات لكل طفل إلى 8 دولارات لكل طفل. ولا يكفي هذا على الإطلاق لتغطية تكلفة أرخص الكتب المدرسية، ناهيك عن المعلمين والمباني المدرسية. والأسوأ من هذا أن 2% فقط من المبالغ المطلوبة تم جمعها في الاستجابة للمناشدات الأخيرة لتقديم المساعدات في مجال التعليم في مناطق الصراع مثل تشاد، وجنوب السودان، وجامبيا.

نتيجة لهذا، قد يصبح أغلب المراهقين في عمر المدرسة في بعض الدول خارج المدرسة وفي الشوارع بحلول عام 2030. وبحرمانهم من المناهج الدراسية التي تعلمهم مهارات قيمة واحترام وجهات النظر المختلفة، يُصبِحون أكثر عُرضة للجماعات المتطرفة التي تعول على عدم وفاء الغرب بوعوده.

الواقع أن إطلاق المرفق الدولي لتمويل التعليم ينطوي على تحديات جسيمة ليس فقط في مواجهة الدول المانحة، بل وأيضا 47 دولة تنتمي إلى شريحة الدخل المتوسط الأدنى والتي تضم ما يقرب من نصف أطفال المدارس في العالَم. وسوف تدخل الدول النامية والدول المانحة في اتفاق يقضي باضطلاع كل منها بدور في ضمان إتاحة التعليم لجميع الأطفال.

وبموجب هذا الترتيب، تلتزم كل دولة نامية بتحقيق نتائج تعليمية تتساوى مع تلك التي تحققها حاليا أعلى 25% بين دول العالَم، فضلا عن زيادة نسبة الدخل الوطني المستثمر في التعليم إلى 5.8%، ارتفاعا من المتوسط الحالي الذي يبلغ نحو 4%. وفي المقابل، تتعهد الدول المانحة بزيادة حصة الأموال المخصصة للتعليم في ميزانيات المساعدات الخارجية من المتوسط الحالي 10% إلى 15%. وسوف تدعم أيضا قروض التنمية من البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية.

حتى في عام 2030، لن تتمكن أفقر الدول من تحمل نحو نصف مجموع تكاليف التعليم. ولهذا فبدلا من الاضطرار إلى الاقتراض بأسعار فائدة تتراوح بين 3.5% إلى 4% لدفع رواتب المعلمين، سوف تستفيد الدول المنتمية إلى شريحة الدخل المتوسط الأدنى من نظام جديد للضمانات والائتمان المنخفض الفائدة أو بدون فوائد على الإطلاق. ومن خلال تزويد الدول المنتمية إلى شريحة الدخل المتوسط الأدنى بالمساعدات اللازمة، سوف نتمكن من توفير المزيد من المنح المباشرة لنحو 200 مليون طفل يعيشون في الدول المنخفضة الدخل.

وباستخدام 150 مليار دولار من التدفقات العائدة من القروض المقدمة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين كضمان، يُصبِح بوسعنا زيادة قدرة البنك الدولي على تقديم المنح من خلال مؤسسة التنمية الدولية التابعة له. وإذا قمنا أيضا بتحويل حصة أكبر من مساهمات مؤسسة التنمية الدولية نحو التعليم، فسوف نتمكن من زيادة أموال المساعدات التعليمية المتاحة سنويا للدول الأكثر فقرا من 1.6 مليار دولار (اعتباره من عام 2016) إلى أكثر من 4 مليارات دولار بحلول عام 2020.

الحق أن هذا الاستثمار المسبق في التعليم من شأنه أن يعمل على توسيع الفرصة لحياة أفضل لعدد أكبر من الناس مقارنة بأي وقت مضى. وسوف يعمل أيضا على تعزيز فرص تشغيل العمالة، وإبطاء النمو السكان، والحد من الوفيات بين الرُضَّع والأمهات. وكما أوضح تقرير جيل التعلم، سوف يرتفع نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في الدول المنخفضة الدخل بنحو 70% بحلول عام 2050. والأمر الأكثر أهمية أن هذا من شأنه أن يعطي الأمل للملايين من الأطفال الذين هم في أشد الحاجة إلى الأمل.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali