18

إدارة الصراع والنمو الاقتصادي

نيودلهي ــ إن أحد أهم جوانب الأزمة الاقتصادية المطولة في أوروبا، بل وحتى الأزمة الأطول في اليابان، يتلخص في غياب الصراعات الاجتماعية الخطيرة ــ على الأقل حتى الآن. صحيح أن الأمر لا يخلو من الإضرابات والمسيرات والسخط المتزايد على الزعماء السياسيين، ولكن الاحتجاجات كانت سلمية إلى حد كبير.

ورغم أن هذا قد يتغير، فإن الفضل في توفير السلم الاجتماعي على هذا النحو لابد أن ينسب إلى مؤسسات مثل المؤسسة الانتخابية ("استبعاد الأوغاد بالصناديق" ليس بالوسيلة العنيفة للتنفيس عن الغضب الشعبي)، والمجالس التشريعية الديمقراطية المتجاوبة، والسلطة القضائية الفعّالة. فقد نجحت هذه المؤسسات في تسوية الصراعات السياسية في وقت اتسم بالشدة والعسر في الدول المتقدمة.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

ويشير هذا إلى أن السبب الرئيسي للتخلف قد يكون أن مثل هذه المؤسسات، التي تسمح للدول بالتغلب على الشدائد التي تواجهها، مفتقدة في الاقتصادات الفقيرة. إن النمو الاقتصادي يسمح بتجاوز الصراع بين القوى الاجتماعية الفاعلة. ولكن الانكماش الاقتصادي يكشف الغطاء عادة عن التوترات الاجتماعية الكامنة أو يزيدها حدة.

ولكن لماذا يبدو تقاسم فوائد النمو أسهل كثيراً من تقاسم أعباء المحن؟ هذا ليس بالسؤال المبتذل. ولعل الإجابة تكمن في النفس البشرية ذاتها. فإذا كان الاستهلاك تشكله العادة، فإن تحمل الخسارة من الدخل أمر بالغ الصعوبة وقد يناضل المرء لكي يتجنبه، في حين يصبح الكفاح من أجل تحقيق كسب إضافي أقل أهمية عندما تكون أمور المرء على ما يرام. وأيضا، لأن الصراع قد يدمر فرص النمو، فقد يُنظَر إليه بوصفه أمراً أكثر تكلفة عندما يكون النمو قويا. على سبيل المثال، قد يؤدي التشاحن بين العمال والإدارة إلى هروب المستثمرين ــ وبالتالي إهدار فرص افتتاح مشاريع جديدة. ولكن إذا غابت فرص الاستثمار الجديدة في الأفق، فإن التشاحن يصبح أقل تكلفة، لأن المصانع والمعدات القائمة تشكل بالفعل تكاليف مفروغ منها ولا تأثير لها على قرارات المستقبل.

وبصرف النظر عن الأسباب التي تجعل الصراعات أكبر في أوقات الشدة الاقتصادية، فإن الكيفية التي يتعامل بها المجتمع معها تتوقف على نطاق ونوعية مؤسسات إدارة الصراعات في المجتمع. وقد أظهر الخبير الاقتصادي بول كوليير من جامعة أكسفورد أن سنوات من النمو الاقتصادي الضعيف تسبق الحروب الأهلية عادة في الدول الفقيرة. وحتى بعد إرساء السلام، فإن احتمالات العودة إلى الصراع في هذه البلدان تكون مرتفعة عادة.

وليس من المستغرب أن تكون مؤسسات إدارة الصراعات في مثل هذه الدول ضعيفة ــ عدم الانتظام في إنفاذ القانون، والالتزام المحدود بالمبادئ الديمقراطية، ونقص الضوابط والتوازنات اللازمة لضبط عمل الحكومة. وعلى نحو مماثل، وجد الخبير الاقتصادي داني رودريك من جامعة هارفارد أن الدول التي شهدت أكثر انحدارات النمو حدة بعد عام 1975 كانت مجتمعاتها مقسمة ومؤسسات إدارة الصراعات لديها ضعيفة.

إن المجتمعات التي تتمتع بمؤسسات عاملة بشكل جيد توزع الأعباء المترتبة على المحن والشدائد بطرق يمكن التنبؤ بها. على سبيل المثال، من الممكن أن يلجأ الأشخاص الأشد معاناة إلى شبكة أمان اجتماعي صريحة ــ الحد الأدنى من التأمين ضد البطالة على سبيل المثال. ففي الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة على سبيل المثال، ذهبت المؤسسات التشريعية الفيدرالية وعلى مستوى الولايات إلى إطالة أمد إعانات البطالة ما دامت البطالة مستمرة.

وبالمثل، يستطيع المدينون والدائنون أن يعتمدوا على إجراءات ذات مصداقية في إدارة الإفلاس لتحديد حصصهم النسبية. ومع وجود آلية مؤسسية واضحة لإملاء عملية تقسيم الآلام، فلن تنشأ الحاجة إلى النزول إلى الشوارع احتجاجا.

على النقيض من هذا، عندما تكون المؤسسات أضعف من أن تتمكن من تقديم تسويات متوقعة ومقبولة، أو حماية الحصص القائمة، فإن الجميع ينشأ لديهم الحافز للتحايل والمناورة من أجل الفوز بقطعة أكبر من الكعكة. وسوف تعتمد النتائج على القدرة النسبية لكل من الأطراف على المساومة أكثر من اعتمادها على عقود ضمنية أو صريحة قائمة من قبل. وهذا يعني انهيار المساومات غالبا. فيصبح الجميع في حال أسوأ بسبب الإضرابات، وإغلاق محال العمل، بل وحتى الصراعات العنيفة.

ولكن هل تستطيع البلدان التي لا تتمتع بهيئات تشريعية أو قانونية فعّالة وجديرة بالثقة أن تقدم أداءً أفضل في الوقاية من دورات الانحدار والركود؟

قد نجد الإجابة على هذا التساؤل في الاستعانة بترتيبات تعتمد بشكل محدود على الهيئة القانونية لفرضها وتنفيذها. على سبيل المثال، تحظر عقود العمل فعلياً على أرباب العمل في العديد من الدول النامية فصل العمال. ولكن هذا يلحق الضرر بالكفاءة والفعالية لأن الشركات تصبح غير قادرة على التكيف بسرعة مع ظروف العمل المتغيرة.

وفي كثير من الأحيان يُعزى هذا الحظر إلى النقابات التي تتمتع بقوة مفرطة والتي تأسر الاقتصاد رهن إرادتها. ولكن إذا كانت المحاكم الفاسدة أو البطيئة تعني أن العمال المفصولين ظلماً لا يملكون اللجوء إلى القضاء، فربما يشكل الحظر المفروض على الفصل ــ الذي يتم فرضه من خلال الاحتجاجات الحاشدة ضد الانتهاكات، التي يستطيع عامة الناس ملاحظتها بسهولة ــ الوسيلة الوحيدة لحماية العمال من القرارات التعسفية من قِبَل أرباب العمل.

وقد تخدم "حيازة" الوظائف أيضاً كشكل من أشكال الضمان الاجتماعي، لأن أداء الحكومة بائس في توفير شبكات الأمان، ولأن أسواق التأمين الخاصة غير متاحة. وبالتالي فإن العقود غير المرنة قد توفر الحماية للعمال عندما يكون رجحان قوة المساومة لصالح الشركات.

ولا تأتي مثل هذه الترتيبات غير المرنة بلا تكلفة. ففي أوقات الانحدار تفلس شركات كثيرة، لأنها غير قادرة عن الاستغناء عن العمالة. وبدلاً من ذلك فإن الشركات، التي تعلم أنها لا تستطيع فصل العمال الدائمين، قد تحرص على الإبقاء على أحجامها صغيرة حتى يتسنى لها أن تظل أدنى من مستوى رادار السلطات. أو قد تستأجر الشركات عمالاً غير رسميين لا حقوق لهم، أو ترشو المفتشين لحملهم على التغاضي عن انتهاكاتها (وأستشهد هنا بسلامة أماكن العمل في مصانع الملابس في بنجلاديش).

وبالتالي، فإن محاولة حماية العمال باستنان قوانين عمل صارمة قد تؤدي إلى نتيجة غير مقصودة تتمثل في توليد عدد قليل للغاية من الوظائف. وقد تكون هذه هي الحال في الهند، حيث لا يحظى العمال إلا بأقل القليل من الحقوق، أما الشركات الضخمة القليلة الراسخة في القطاع الرسمي فإنها تميل إلى استخدام الكثير من رأس المال الموفر للعمالة من أجل تجنب توظيف العمالة المحمية.

وتغيير هذا الواقع ليس بالمهمة السهلة اليسيرة. فالعامل الذي يتمتع بالحماية ليس لديه من الأسباب ما قد يحمله على التخلي عن مكتسباته. وعلاوة على ذلك فإن إزالة سبل الحماية الجامدة دون تقديم بدائل مثل شبكات الأمان المشروطة والإنصاف القضائي، تشكل وصفة أكيدة لاندلاع الصراعات. ومن ناحية أخرى، فإن بعض الحماية أفضل من لا شيء، وإذا كان أغلب العمال لا يتمتعون بالحماية، فإن التغيير يصبح ضرورياً لتجنب صراعات أشد سوءا.

إن التغيير المستدام في الدول النامية لا يتطلب إصلاح ترتيبات بعينها فحسب، مثل قوانين العمل الجامدة، بل ويتطلب أيضاً إقامة مؤسسات أكثر قاعدية، مثل الهيئات التشريعية والقضائية، لجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس. وإذا أراد مواطنو الدول المتقدمة أن يشعروا بقدر أكبر قليلاً من الارتياح إزاء النمو البطيء وارتفاع البطالة في اقتصادات بلدانهم، فما عليهم إلا أن يفكروا إلى أي مدى قد تسوء الأمور في غياب المؤسسات التي ينعمون بها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء الكاتب شخصيا.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali