Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

grenville3_JLGutierrezGettyImages_questionmarkmoney JLGutierrez/Getty Images

السياسات النقدية غير التقليدية: ماذا بعد؟

سيدني ــ مؤخرا، أجرى بنك التسويات الدولية، وهو نادي محافظي البنوك المركزية في بازل بسويسرا، تقييما متعمقا للسياسات النقدية غير التقليدية التي أصبحت هي القاعدة في العديد من البلدان منذ الأزمة المالية في عام 2008. وليس من المستغرب أن يجد التقرير الناتج عن التقييم، والذي أعدته لجنة من محافظي البنوك المركزية لمراجعة أداءهم السابق، القليل مما يستحق الانتقاد. لا بأس؛ فقد أنقِذ النظام المالي رغم كل شيء. لكن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت السياسات غير التقليدية لتظل على أهميتها في عالم ما بعد الأزمة، وإلى أي مدى.

في عام 2008، كانت المهمة الأساسية لصناع السياسات تتلخص في منع القطاع المالي من الانهيار وتثبيت استقرار الاقتصاد. فقد أثبتت السياسات التقليدية كونها غير كافية، وبات من الواضح أن الأمر يتطلب اتخاذ تدابير أخرى لمعالجة الانهيار المالي بشكل مباشر. وكان أكثر هذه التدابير أهمية التيسير الكمي، حيث تشتري البنوك المركزية الأصول من أجل ضخ السيولة إلى النظام المالي.

ثم في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2008، في أوج الأزمة، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يشتري الأوراق المالية في سوق الرهن العقاري التي كانت مجمدة في ذلك الوقت. وكان برنامج "التيسير الكمي واحد"، كما بات معروفا، ناجحا إلى حد كبير: فسرعان ما استؤنفت عمليات الإقراض العقاري، مما أدى إلى دعم سوق الإسكان المعطلة، وربما تمكن العديد من المقترضين من إعادة تمويل قروضهم بأسعار فائدة أقل كثيرا.

ربما كانت مشتريات التيسير الكمي واحد غير عادية، لكنها لم تكن "غير تقليدية". قبل أكثر من قرن من الزمن، أشار والتر باجوت، المحرر الأسطوري في مجلة الإيكونيميست، إلى أن واجب البنوك المركزية يملي عليها دعم القطاعات المالية المنهارة. وكانت البنوك المركزية تتدخل وتستغل ميزانياتها العمومية في أوقات الأزمات منذ ذلك الحين. عندما بدأ برنامج التيسير الكمي واحد، كان بنك ليمان براذرز مفلسا، وجرى إنقاذ شركة التأمين العملاقة AIG، ومُنِحَت سوق المال ضمانة حكومية. على هذه الخلفية، كان برنامج التيسير الكمي واحد مجرد تدبير آخر بين تدابير أخرى عديدة عبر التاريخ الاقتصادي الغربي.

كان الرأي المجمع عليه أن برنامج التيسير الكمي واحد، وغير ذلك من التدابير الفورية التي اتخذتها البنوك المركزية، كان ناجحا. ولكن بمجرد إنقاذ النظام المالي، بدأ صناع السياسات النقدية يواجهون تحديا مختلفا تمام الاختلاف. فعلى الرغم من أسعار الفائدة القريبة من الصِفر، كان التعافي بعد الأزمة فاترا بلا جدال.

لهذا، استمر التيسير الكمي، ولكن بهدف تشغيلي جديد: إعطاء السياسة النقدية المزيد من الثِقَل من خلال خفض النهاية الطويلة لمنحنى العائد. وبهذا الهدف في الحسبان، ذهبت بنوك مركزية عديدة إلى دفع أسعار الفائدة إلى المنطقة السلبية. ومن خلال إعلانات "التوجيه المسبق" التي أكدت أن أسعار الفائدة ستبقى "منخفضة لفترة طويلة"، طمأن القائمون على البنوك المركزية الأسواق إلى أن حقبة التمويل الرخيص ستستمر.

Subscribe now
ps subscription image no tote bag no discount

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

رغم كل الجرأة التي تحلت بها هذه المبادرات، جاءت النتائج مخيبة للآمال. فقد انخفض إقراض البنوك الأميركية بعد بدء برنامج التيسير الكمي واحد، ولم يرتد إلى ذروته التي بلغها قبل الأزمة إلا بعد أكثر من ثلاث سنوات. وفي أوروبا والمملكة المتحدة، كان الإقراض المصرفي أقل استجابة. أما اليابان، الدولة التي تتمتع بأطول خبرة في مجال التيسير الكمي، فإنها تظل غارقة في مستنقع النمو البطيء والتضخم الأدنى من المستوى المستهدف حتى يومنا هذا.

بدت أسعار الفائدة السلبية غالبا وكأنها تستهدف في الأساس إيجاد سعر صرف أكثر تنافسية، وهو ما كان لينتقد باعتباره سياسة "إفقار الجار". من ناحية أخرى، أدى التوجيه المسبق إلى إرباك الأمور فحسب: فقد أصبح المشاركون في السوق أكثر تركيزا على الجولة التالية من "التوجيه" بدلا من التركيز على آفاق الاقتصاد، وكثيرا ما بالغوا في ردود أفعالهم إزاء صياغة أحدث بيانات البنك المركزي، كما في حالة الخفض التدريجي للتيسير الكمي في عام 2013.

على الرغم من الأداء المتواضع للسياسات النقدية غير التقليدية طوال مرحلة التعافي، يخلص تقرير بنك التسويات الدولية إلى أن الفوائد تفوقت على الآثار الجانبية الضارة. ويذهب التقرير إلى الزعم بأن مثل هذه السياسات يجب أن تصبح أداة قياسية في التعامل مع السياسة النقدية. أي أن غير التقليدي يجب أن يصبح روتينيا.

غير أن هذا لن يحل اللغز المركزي في فترة ما بعد الأزمة. فلماذا لم تخلف ظروف السياسة النقدية المتساهلة إلى حد الإفراط تأثيرا أكبر؟ يقدم تقرير بنك التسويات الدولية ذاته طرف خيط عندما يزعم أن السياسات النقدية غير التقليدية ستكون أكثر فعالية إذا كانت مصحوبة بسياسات أخرى، وخاصة التوسع المالي.

خلال فترة ما بعد 2010، ساد التقشف المالي في مختلف أنحاء العالم، والذي كان غير متوازن على الإطلاق مع الظروف النقدية الفائقة التوسعية. صحيح أن العديد من الحكومات لاحقت التحفيز المالي فور انهيار 2008، وحظيت هذه التدابير بتأييد مجموعة العشرين في لندن عام 2009. وبحلول عام 2010، كانت الدول الأوروبية الواقعة على محيط أوروبا الخارجي في أزمة، وأفضت المخاوف من ارتفاع الدين العام إلى التقشف المالي على نطاق واسع. في السنوات الخمس السابقة لعام 2015، خفضت الولايات المتحدة عجزها بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان هذا وحده كافيا لتفسير السبب وراء ضعف التعافي.

لكنه لا يفسر لماذا كان تأثير أسعار الفائدة القريبة من الصِفر ضئيلا للغاية على استثمارات القطاع الخاص. ذات يوم، قال رجل الاقتصاد بول صامويلسون ساخرا: "إذا كانت أسعار الفائدة الحقيقية (المعدلة تبعا للتضخم) عند مستوى الصِفر ومن المتوقع أن تظل على حالها، فسوف يكون من المربح إزالة جبال روكي لمجرد خفض تكاليف النقل". ففي ظل انخفاض تكاليف الاقتراض إلى هذا الحد طوال هذه الفترة، كيف لم تحدث طفرة في المشاريع والاستثمارات المربحة؟

هناك عدد من الإجابات المقترحة لهذا التساؤل، من ادعاء لورنس سمرز بأننا نشهد "ركودا مزمنا"، إلى الاحتجاج بأن السعي إلى تحقيق المصلحة القريبة تسبب في إفساد عملية اتخاذ القرار من قِبَل مديري الشركات. وربما أسهمت الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إحداث حالة من عدم اليقين التي أهدرت الثقة. أو ربما كانت كل مشاريع الاستثمار الأفضل متركزة في القطاع العام غير السوقي، حيث حالت مخاوف العجز دون تنفيذها.

أيا كانت الإجابة، فمن المشكوك فيه أن يؤدي الضغط بقوة أكبر على السياسة النقدية ــ في ظل أسعار فائدة أكثر انخفاضا (أو ربما سلبية) والمجموعة الكاملة من السياسات غير التقليدية ــ إلى الدفع بقدر كبير من الاستثمارات الإضافية. علاوة على ذلك، من الممكن أن تعمل السياسات غير التقليدية على تشويه الأسعار المالية، مما يؤدي إلى رداءة التقييم، وسوء تخصيص الموارد، وإعادة تخصيص الثروة على نحو اعتباطي.

في الأمد القريب إذن، يصبح من الواجب الانتباه إلى رسالة تقرير بنك التسويات الدولية الذي يتسم بالمراوغة: ضرورة تكميل جهود السياسات النقدية المضنية التي بُذِلَت على مدار العقد الأخير بالاستعانة بالتوسع المالي، وخاصة إذا كان الاقتصاد العالمي متباطئا. ولكن في الأمد الأبعد، نحتاج إلى اكتساب فهم أفضل للأسباب التي أدت إلى فقدان استثمارات القطاع الخاص سحرها المعهود.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/eefbqILar;