Christine Lagarde (IMF), Valeria Gontareva (head of the National Bank of Ukraine), and  Petro Poroshenko Mikhail Palinchak/Getty Images

العائق الأخير أمام تعافي أوكرانيا

كييف ــ تزخر عاصمة أوكرانيا بعلامات متناقضة من الأمل والفوضى. فقد شهدت الدولة تحولا اقتصاديا رائعا، لكن لا يزال الفساد متفشيا في أرجائها. ورغم نجاح إدارة الرئيس بترو بوروشنكو في إرساء شؤون المالية العامة، لكنها فشلت في كبح جماح المحسوبية.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

إلا أن السؤال الأهم الآن يتعلق بمدى قدرة أية إصلاحات قضائية أو قانونية يقوم بها الرئيس بوروشنكو على خلق الظروف المواتية لنمو اقتصادي قوي ومستدام. منذ توقيع صندوق النقد الدولي اتفاقية قرض مع الحكومة في مارس/آذار 2015، قام الصندوق بصرف أربع شرائح مالية كبرى. لكن ديفيد ليبتون، النائب الأول لمدير عام صندوق النقد، حذر في زيارة قام بها مؤخرا إلى كييف من مخاطر حدوث "انتكاسة" أوكرانية.

إن مشاكل أوكرانيا لا تتعلق في جوهرها بقضايا الاقتصاد الكلي، فوزير المالية الحالي في الحكومة، وهو أوليكساندر دانيلوك، نصير صريح للسوق الحرة يتمتع بسجل قوي في مجال الإدارة الاقتصادية، شأنه في ذلك شأن الوزيرة السابقة ناتالي جاريسكو.

وفقا لصندوق النقد الدولي، وصل إجمالي المصروفات العامة في أوكرانيا عام 2014 إلى 53% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه هبط إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2016. وفي عام واحد فقط، وتحديدا من 2014 إلى 2015، نجحت أوكرانيا في تقليص عجز الموازنة من 10% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2% فقط. وهي الآن في سبيلها للحفاظ على عجز يقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القادمة.

فضلا عن ذلك، زادت إيرادات الدولة بنسبة 30% في النصف الأول من عام 2017 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، لتتجاوز قيمة الإيرادات النمو الذي حدث في المصروفات، وذلك بفضل تحسينات أُدخلت على النظام الضريبي. نتيجة لذلك، حظيت الحكومة بميزانية منضبطة في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران.

في إبريل/نيسان، توقع صندوق النقد الدولي أن يقف مستوى الدين العام لأوكرانيا عند 91% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2017، إلا أن الحكومة نجحت بالفعل حتى الآن في تخفيضه إلى 81% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المرجح أن يستمر هذا التقدم، مع اشتداد النمو وزيادة قيمة عملة أوكرانيا (الهريفنا).

تدين أوكرانيا بالكثير مما تحظى به من قوة اقتصادية اليوم لفاليريا هونتاريفا، محافظة البنك المركزي السابقة، التي قامت بعملية تطهير لقطاع البنوك خلال السنوات الثلاث الماضية. فخلال فترة تولي هونتاريفا منصبها، أغلق بنك أوكرانيا الوطني نصف البنوك العاملة بالدولة، وعددها آنذاك 180 بنكا، كان معظمها يدير عمليات فاسدة، إن لم تكن إجرامية محضة. وباكتمال عملية إعادة الهيكلة تقريبا، ينتظر أن ينطلق النظام الجديد للإقراض قريبا.

ومن الطبيعي عندما تنتظم الإيرادات المحلية لدولة ما أن تتحسن إيراداتها الخارجية أيضا. وقد مثل احتياطي أوكرانيا من النقد الأجنبي مصدر قلق كبير منذ عام 2014، أما اليوم، يقف الاحتياطي الأجنبي لأوكرانيا عند مستوى مطمئن وهو 18 مليار دولار ــ أي ما يوازي ثلاثة أشهر ونصف من الواردات الحالية.

كما ارتفعت قيمة الهريفنا بنسبة 6% أمام الدولار هذا العام، مما أسهم في إنعاش الناتج المحلي الإجمالي وخفض الدين العام، الذي تغلب عليه العملات الدولية. في الوقت ذاته، تتحرك أوكرانيا بوتيرة سريعة نسبيا نحو "التخلي عن الدولرة"، حتى أصبح نمو الودائع المصرفية بعملة الهريفنا الآن أسرع من نمو الودائع بالعملات الأجنبية.

تتمتع أوكرانيا بالمكونات الأساسية الثلاث لنمو قوي سليم. ففي النصف الأول من 2017، بدأ سريان اتفاقية منطقة التجارة الحرة العميقة والشاملة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وارتفعت الصادرات الأوكرانية بشكل هائل بلغ 25%، متجاوزة نمو الواردات بدرجة كبيرة، فضلا عن ما تحظى به أوكرانيا من نمو قوي في الاستثمار والاستهلاك. وخلال النصف الأول من هذا العام، زادت الإنشاءات بنسبة 24%، وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 8%.

لكن رغم توقعات صندوق النقد الدولي بأن تبلغ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.9% في عام 2017 ــ وأن يصل النمو السنوي إلى 4% بحلول 2020 ــ لم يتجاوز معدل النمو السنوي في النصف الأول من هذا العام 2.5%. في الحقيقة هناك أسباب منعت أوكرانيا من تحقيق انطلاقة أكبر في مجال النمو، رغم الاستقرار المالي الذي تحقق لها مؤخرا.

بداية، تسبب القتال في شرق أوكرانيا في تعطيل وإعاقة القطاع الزراعي، الذي كان المصدر الرئيسي للنمو طيلة العقد الماضي. لكن السبب الأهم يكمن في الكبت المحتمل "لنزعات المخاطرة" في أوكرانيا، نظرا ليأس رواد الأعمال في البلاد من محاولة التنافس مع الأقلية المتسلطة من أصحاب رؤوس الأموال الذين ما زالوا يحتفظون بقدرتهم على التلاعب بالاقتصاد لصالحهم.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، بدأت الحكومة (مدفوعة من صندوق النقد الدولي) في محاربة الفساد بأسلوب منهجي، شمل توحيد أسعار الطاقة، وإدخال نظام إلكتروني لتوريد معظم المشتريات العامة يمتاز بالشفافية. وحتى الآن، كشف ما يزيد عن 100 ألف موظف عمومي عن دخولهم والأصول التي يمتلكونها في إظهار علني للشفافية ينافس نظيره في الدول الاسكندنافية.

بيد أن إخفاق الحكومة في إرساء وتعزيز حكم القانون يظل يمثل مشكلة خطيرة. في السابق كانت الشركات المحلية والمستثمرون الأجانب يشتكون من إساءة استخدام السلطات الضريبية للسلطة. لكن بعد أن اعتقل مكتب مكافحة الفساد في أوكرانيا رومان ناصيروف، رئيس مصلحة الشؤون الضريبية في البلاد، في مارس/آذار الماضي، أصبح الآن مكتب النائب العام والأجهزة الأمنية يمثلان مصدر القلق الأكبر، فكلاهما يخضع لسلطة الرئيس مباشرة، ويُنظر إليهما بشكل عام على أنهما جهازان حكوميان ينهبان خيرات البلاد.

ويؤمل أن تفضي الإصلاحات القضائية الجارية حاليا إلى مراقبة السلطة التنفيذية، وتأمين حقوق الملكية، حتى ينعكس ذلك إيجابا على النمو بتشجيعه وزيادته. لكن من الواضح بالفعل أنه ستكون هناك حاجة لمزيد من الإجراءات.

في يوليو/تموز الماضي، قام بوروشنكو بتجريد ميخائيل ساكاشفيلي، رئيس جورجيا السابق الذي دعاه بوروشنكو من قبل إلى أوكرانيا وعينه محافظا لمقاطعة أوديسا عام 2015، من جنسيته. لكن قرار بوروشنكو، الذي صدر في شكل مرسوم دون المضي في الإجراءات اللازمة لتطبيقه، يعد ملتبسا من الناحية القانونية. وبدلا من أن يتقبل ساكاشفيلي مصيره، استغل مسألة تجريده من الجنسية لتهييج وإثارة المجتمع المدني الأوكراني. وفي وقت سابق من هذا الشهر، دخل ساكاشفيلي ومعه زعيمة المعارضة يوليا تيموشينكو أوكرانيا من جهة بولندا دون المرور بإجراءات مراقبة الجوازات. وبإعلانه التوجه للمحكمة للطعن في القرار، يكون ساكاشفيلي قد اكتسب منصة تمكنه من انتقاد نظام أوكرانيا القضائي وإهمال بوروشنكو لحكم القانون.

لم يتحقق إلى الآن مطلب صندوق النقد الدولي بضرورة قيام الحكومة الأوكرانية بإنشاء محكمة مستقلة لمكافحة الفساد تكون مهمتها التحقيق مع المحتالين من الموظفين العموميين ومقاضاتهم ومعاقبتهم. لكن إذا أرادت أوكرانيا الاستمرار على طريق التعافي، فإن عليها أن تبرهن أن لا أحد فوق القانون، بما في ذلك رئيس البلاد.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/g2tc18J/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now