13

أي تفويض لتيريزا ماي؟

لندن – رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي معروفة بثباتها على المبادئ. فهي سياسية حذرة ومنضبطة - و ابنة قس - فماي لا تتلاعب بالحقيقة، كما أنها لا تخاطر بأشياء لا لزوم لها ولا تبتعد عن منطقتها الآمنة التي تتكون من مجموعة صغيرة من المستشارين. لذا، عندما أصرت، مرارا وتكرارا، على أنها لن تجرى انتخابات قبل الموعد المقرر في عام 2020، كان يُعتقد أن نيتها صادقة بلا تحفظ. 

لكن في الأسبوع الماضي، دعت ماي لإجراء انتخابات عامة مبكرة في يونيو/ حزيران. في الحقيقة، كانت مفاجأة.

إن تغيير موقف ماي الملحوظ بدا بالتأكيد غير طبيعي. لكنه كان بالكاد قنبلة سياسية صنعها الكثيرون. والواقع أنها كانت، بطرق مختلفة، خطوة منطقية. وبعد كل ذلك، فقد أوضحت استطلاعات الرأي أن حزب المحافظين الذي تتزعمه ماي سيفوق حزب العمل المعارض ب20 نقطة مئوية. 

وليس مفاجئا أن يختار القادة البريطانيون عادة إجراء انتخابات مبكرة عندما يكون حزبهم أكثر احتمالا للفوز بها. ومن المتوقع أن تفوز ماي التي ستشارك حكومتها في مفاوضات صعبة مع الاتحاد الأوربي حول رحيل بريطانيا. حتى لو كان المرشحون خاطئون والانتخابات سهلة بالنسبة للمحافظين، فمن المرجح أن يكونوا على رأس القائمة.

لقد شاركتُ مرة واحدة في قرار مماثل ذهب في الاتجاه الآخر. في عام 1991، عندما كان جون ميجر رئيسا للوزراء، كنت المسؤول عن التخطيط للانتخابات في حزب المحافظين. وكنا قد فزنا في الحرب العراقية الأولى، وتم طرد صدام حسين من الكويت.

وفي خضم هذا الانتصار العسكري العظيم الذي لعبَت فيه بريطانيا دورا مهما، حث العديد من المعلقين والمؤيدين رئيس الوزراء جون ميجر على الدعوة للانتخابات. لكنه رفض. وقد حقق النصر في العراق نجاحا للمملكة المتحدة؛ لا ينبغي أن يغتصبها حزب سياسي، ولا حتى حزبه. كان هذا الموقف موقفا صحيحا. وعلى أية حال، فاز حزب المحافظين في الانتخابات المقررة في العام التالي.

وقد وجهت ماي نداء مختلفا. تقول إن قرارها جاء بسبب الانتقادات التي واجهتها من المعارضين في البرلمان حول المفاوضات الوشيكة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وهي تريد تفويضا قويا "للتفاوض من أجل بريطانيا"، وهذا يعني سحق ما وصفته صحيفة شعبية - في خطاب شعبوي حارق حول البريكسيت - "بمخربي" المصلحة الوطنية.

لكن الحقيقة هي أنه في هذه اللحظة، يمكن لماي الفوز في معظم البلاد. ويوجد الاستثناء الرئيسي داخل حزبها المنقسم بين أولئك المتعصبين لبريكست وقوى أكثر اعتدالا. مع تفويض شخصي أكبر، قد تستطيع ماي مواجهة معارضة المحافظين خلال المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

والسؤال هو أي جانب قد ترغب في مواجهته. هل تريد أن تبعد مناصري اليمين "المدافعين عن بريكسيت صلب"، الذين يفضلون عدم الاتفاق على الإطلاق أم تريد أن تلتحق بالفريق الذي  يعتزم تقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي؟ أم أنها تريد أن تكون قادرة على التصدي لدعاة "بريكسيت لين"، نوع من الصفقة التي من شأنها أن تعطي الاقتصاد البريطاني، بتكلفة ما، أفضل فرصة ممكنة من حيث التجارة والابتكار والاستثمار؟

الحق يقال، لا أحد يعرف ما تريده ماي بالفعل أو على ماذا ستستقر. حتى الآن، لم تفصح عن أي شيء، أما حكومتها فتتحدث بشكل عام لا يصدق. ويبدو أن الهدف هو تأمين أفضل شروط التجارة الممكنة دون تقديم أي تنازلات بشأن حرية حركة اليد العاملة أو سلطة محكمة العدل الأوروبية. كل من يعتقد أن هذا يعني أن بريطانيا ستحتفظ بنفس المزايا التي تتمتع بها كعضو في الاتحاد الأوروبي سيتعرض لصدمة كبيرة.

وعند هذه النقطة سيقوم النقاش السياسي بمواجهة الواقع الصعب. كل ما سيحدث في انتخابات المملكة المتحدة في حزيران / يونيو، وكيفما بدت نتائج ولاية ماي، فإن الواقع الذي لا يمكن تغييره الكامن وراء محادثات بريكست القادمة هو أن المملكة المتحدة يجب أن تتفاوض مع 27 دولة أخرى، وكلها لها اعتبارات سياسية داخلية خاصة بها - تماما مثل بريطانيا.

وقد صرح بعض النقاد أن حكومة ماي تتمنى فوزا كبيرا في الانتخابات أساسا لإعطائها كامل الصلاحية في محادثات بريكست. إن حقيقة الأمر ستصبح أكثر وضوحا خلال الحملة الانتخابية، عندما نرى التفاصيل التي سيقدمها المحافظون بشأن أهدافهم التفاوضية.

لكن من دون شك أن الحكومة تأمل بشكل واضح أنه تفوز بأغلبية كبيرة في البرلمان أي ما يطلق عليه الصينيون "أصحاب أي شيء". أيا كانت الصفقة التي تمكنت حكومة ماي من عقدها مع الاتحاد الأوروبي ستناسبها كثيرا.

لا أعتقد شخصيا أن الأمور ستسير على هذا المنوال على مدى السنوات القليلة المقبلة. تَوَجه "أي شيء" ليس قويا ولا مستداما. وبغض النظر عن الولاية الانتخابية التي قد تؤمنها ماي في حزيران / يونيو، إذا انتهت بعقد اتفاق بريكست سيئ، أو دون التوصل إلى أي اتفاق على الإطلاق، فإنها وحكومتها - ناهيك عن الاقتصاد البريطاني بأكمله - ستكونان في حالة سيئة جدا.