0

صعود تركيا وانحدار الوحدة العربية

تل أبيب ـ إن الكارثة المهلكة التي تعرض لها "أسطول السلام" الذي كان تحت قيادة تركيا، والذي كان في طريقه إلى غزة، تسلط الضوء على التوتر العميق المحيط بالتحالف الإسرائيلي التركي. ولكن هذه الكارثة ساعدت في الأساس في الكشف عن الأسباب الأساسية الأعمق وراء تحول تركيا من التوجه نحو الغرب إلى الاضطلاع بدور أساسي في الشرق الأوسط ـ في تحالف مع الأنظمة المارقة في المنطقة والجهات الفعالة المتطرفة التي لا تنتمي إلى دولة بعينها.

إن السياسة الخارجية لا يمكن فصلها عن الأسس المحلية التي تستند إليها. والواقع أن هوية الأمم وروحها الوطنية كانت دوماً من الدوافع المميزة للأولويات الاستراتيجية. ولا شك أن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إسرائيل لعبت دوراً كبيراً في تآكل تحالفها مع تركيا. بيد أن انهيار "تحالف المحيط الخارجي" القديم، الذي كان يتضمن تركيا، وإيران تحت زعامة الشاه، وأثيوبيا، يرتبط في واقع الأمر بتغيرات ثورية طرأت على هذه البلدان ـ صعود آية الله الخميني إلى السلطة، ونهاية نظام الإمبراطور هيلا سيلاسي، والآن التحول الإسلامي من جانب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ـ أكثر من ارتباطه بالسياسات الإسرائيلية.

كما تكشف الأزمة الحالية عن عمق عقدة الهوية التركية، وتذبذبها بين تركتها الكمالية (التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك) ذات التوجه الغربي وإرثها العثماني الشرقي. ومع تجاهل الاتحاد الأوروبي له فقد أمال أردوغان الميزان نحو الإرث العثماني الشرقي.

كانت الكمالية تنظر دوماً إلى الإرث العثماني باعتباره عبئاً وعقبة على طريق التحديث. وفي نظر أردوغان فإن التحديث لا يمنع العودة إلى الجذور الإسلامية لتركيا، ولا يلزمها بالتخلي عن مصيرها كقوة في الشرق الأوسط، حتى ولو كان هذا يعني الاستهزاء بالسياسات التي تتبناها الولايات المتحدة في المنطقة.