1

محور السل والسكري القاتل

باريس ــ في العام الماضي، تجاوز السل فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز باعتباره المرض المعدي الأكثر فتكاً في العالم. ويشير تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية إلى أن مرض السل يحصد أرواح نحو 1.5 مليون شخص كل عام. والمذهل أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص على مستوى العالمي يعيش وهو يحمل عدوى السل الكامنة التي قد تتطور في نهاية المطاف إلى الشكل النشط ــ والذي قد يكون قاتلا ــ من المرض.

لقد تحقق تقدم كبير في مكافحة مرض السل في العقود الأخيرة؛ ومنذ عام 2000، أنقِذ نحو 43 مليون إنسان من الموت بفضل هذا التقدم. ولكن زعماء العالم لم ينظموا بعد استجابة تتناسب مع حجم المشكلة. ولابد لهذا أن يتغير ــ وخاصة ونحن نتعلم المزيد عن التفاعل بين السل ومرض آخر قاتل: السكري.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

إن مرض السكري من النوع الثاني لا يجعل الجسم عاجزاً عن معالجة الأنسولين أو الاستجابة له فحسب؛ بل إنه يضعف جهازه المناعي أيضا، وهو ما يزيد من خطر تعرض ضحاياه للإصابة بالسل النشط. فالأشخاص المصابين بمرض السكري أكثر عُرضة ثلاث مرات للوقوع فريسة لمرض السل. ومن الممكن أيضاً أن يتسبب السكري في جعل المرضى أقل استجابة للعلاجات المعتادة للسل، كما يزيد من احتمالات الانتكاس بعد علاج المرض.

ومن ناحية أخرى، قد يتسبب السل، من خلال دفع نسبة السكر في الدم إلى الارتفاع في مراحله الأولية، في تفاقم مرض السكري أو الإصابة به. وما يزيد الطين بله أن بعض الأدوية الرئيسية التي تعالج مرض السل ربما تؤدي إلى تفاعلات سلبية مع علاجات السكري التي تؤخذ عن طريق الفم، الأمر الذي يجعلها أقل فعالية.

وسوف تصبح هذه التفاعلات أكثر شيوعاً بمرور الوقت. فاليوم يعاني ما يقرب من 390 مليون شخص من مرض السكري من النوع الثاني، وفي غضون عشرين عاماً من المتوقع أن يتجاوز العدد الإجمالي للحالات 592 مليون شخص. والأمر المزعج للغاية أن ستة من البلدان العشرة التي من المتوقع أن تشهد أعلى معدلات الإصابة بمرض السكري بحلول منتصف هذا القرن ــ روسيا، والهند، والصين، والبرازيل، وإندونيسيا، وباكستان ــ مصنفة أيضاً من قِبَل منظمة الصحة العالمية بين أعلى البلدان تحملاً لأعباء مرض السل.

هذه ليست المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذه المشكلة. فقبل عشرين عاما، اقترن السل وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في تفاعل قاتل مماثل. ويعمل الإيدز، مثله في ذلك كمثل السل، على إضعاف الجهاز المناعي، الأمر الذي يجعل ضحاياه أكثر عُرضة للسل النشط. وفي الفترة من 1990 إلى 2005، عندما كان فيروس نقص المناعة البشرية يصيب نحو مليوني شخص سنوياً في بلدان منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، تضاعف معدل الإصابة بحالات السل الجديدة إلى أربعة أمثاله.

وكان زعماء العالم متباطئين في الاستجابة لتلك الأزمة ــ وتسبب التأخير في معاناة هائلة وخسائر في أرواح البشر. وفي نهاية المطاف، مع تصاعد معدلات الوفاة، بدأ الزعماء يقدرون حجم المشكلة ويدركون الحاجة إلى العمل التعاوني.

وبدأت عيادات الرعاية الصحية المحلية تجمع فحوصات وعلاجات هذين المرضين؛ ومع إتاحة العلاجات المضادة للفيروسات في أفريقيا، بدأ معدل الإصابة بالسل بين مرضى نقص المناعة البشرية/الإيدز ينخفض. ولكن لا تزال التأثيرات ملموسة حتى يومنا هذا. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، كان ما يقرب من ثلث الوفيات بين مرضى نقص المناعة البشرية/الإيدز في عام 2014 راجعاً إلى السل.

ولكن هذه المرة، ومع ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السكري، لا ينبغي لنا أن ننتظر إلى أن تخرج الأزمة من تحت سيطرتنا قبل أن نتحرك. ففي الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، اجتمع أصحاب المصلحة في مجال الصحة العامة، بما في ذلك ممثلي شركات الأعمال ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات الإغاثة الدولية، في بالي بإندونيسيا، لوضع حجر الأساس للحملة العالمية للتصدي للوباء المزدوج (السل والسكري) الذي يلوح الآن في الأفق ــ و��و أول مؤتمر قمة في مجال الصحة يركز بشكل خاص على الاستجابة لهذا الوباء المزدوج.

لقد اجتذب هذا الحدث، الذي استضافته وزارة الصحة في إندونيسيا، خبراء من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وطُلِب من الحضور التوقيع على "إعلان بالي"، وهو في الأساس تعهد بتنفيذ سياسات معينة في مجال الرعاية الصحية أثبتت قدرتها على المساعدة في خفض معدلات الإصابة بالسل والسكري. وتشمل التدابير خطوات بسيطة نسباً مثل "الفحص الثنائي الاتجاه"، والذي يُلزِم أي شخص مصاب بالسكري بالخضوع لفحص السل، والعكس بالعكس. والواقع أن برامج الفحص المبكر الثنائي الاتجاه في الهند والصين وغيرهما من البلدان المتضررة بشكل كبير تقدم الأمل في إدارة هذين المرضين بشكل أفضل.

Fake news or real views Learn More

أبرزت قمة بالي الفرصة التي لا غنى عنها والتي أتيحت لنا لاتخاذ التدابير الوقائية اللازمة ضد أزمة وشيكة في مجال الرعاية الصحية. ولكن من الأهمية بمكان أن يعقب هذه القمة اتخاذ إجراءات عاجلة والالتزام بتخصيص الموارد. ولابد من حمل زعماء العالم على الاعتراف بالتهديد المزدوج المتمثل في السل والسكري ــ واعتباره من البنود ذات الأولوية العالية على أجندة صنع السياسات ــ قبل فوات الأوان.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali