16

الحقيقة الشخصية تسير قُدُما

لندن ــ في مناسبة شهيرة قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي الراحل دانييل باتريك موينيهان: "كل إنسان مخَوَّل بأن يكون له رأيه الخاص، ولكنه ليس مخولا بأن تكون له حقائقه الخاصة". قد تكون هذه المقولة صادقة. ولكن الساسة والناخبين، سواء كانوا مخولين أو لا، يبنون واقعهم البديل الخاص ــ والعواقب المترتبة على هذه النزعة بعيدة المدى.

في زمننا الحاضر، أصبح من الصعب على نحو متزايد دعم الحقائق والصدق في عالَم السياسة (وفي عالَم التجارة وحتى في عالَم الرياضة). والآن يحل محلها ما أسماه الكوميدي الأميركي ستيفن كولبير "الحقيقية الشخصية": التعبير عن شعور داخلي أو رأي باعتباره بيانا صالحا للحقيقة. ويبدو أن عامنا هذا ربما يكون عام الذروة للحقيقة الشخصية.

يحتاج الناخبون، حتى يتسنى لهم اتخاذ قرارات سليمة، إلى تقييم الحقائق الجديرة بالثقة، من البيانات الاقتصادية إلى تحليل الإرهاب، على أن تقدم إليهم هذه الحقائق بشفافية ومن دون تحيز. ولكن اليوم، يفضل المتحدثون على شاشات التلفاز شن الهجوم على ذوي الخبرة في مثل هذه المجالات. أما الشخصيات السياسية الطموحة ــ من قادة حملة الخروج البريطاني في المملكة المتحدة إلى المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب في الولايات المتحدة ــ فترفض الحقائق بالكامل.

الواقع أن البيئة مهيأة لمثل هذا السلوك. فقد سئم الناخبون، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة، سنوات من الوعود السياسية الكاذبة، والكشف عن حقائق كانت مطموسة، وتلفيق القصص السياسية والإعلامية بلا هوادة. وقد ألقت المعاملات المبهمة أو المريبة بظلال من الشك على نزاهة منظمات ومؤسسات ينبغي لنا أن نكون قادرين على الاعتماد عليها. على سبيل المثال، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا سلسلة من المقالات عن مراكز بحثية سلطت الضوء على تضارب المصالح الذي يتجلى في أولئك الذين يعملون كمحللين، ولكنهم مدينون بالفضل لممولي الشركات وفي بعض الأحيان يعملون أيضا كجماعات ضغط.