Reginald Owen is playing Scrooge Bettmann/Getty Images

نشيد عيد الميلاد وفقا لترامب

نيويورك - في عيد ميلاد المسيح هذا العام، كانت هدية أمريكا للعالم عبارة عن خفض في الميزانية العادية للأمم المتحدة يبلغ 285 مليون دولار. من الناحية الفنية، تعكس الميزانية العادية للأمم المتحدة قرارا بالإجماع بين الدول الأعضاء في الاتحاد البالغ عددها 193 دولة، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة كانت الدافع الرئيسي لهذا التخفيض. والواقع أن نيكي هالي، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، رافقت إعلان هذا الخبر عشية عيد الميلاد بتحذير من أن الولايات المتحدة سوف تقرر مزيدا من التخفيضات.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لم يكن بإمكان إيبينزر سكروج القيام بأمر أفضل(وهو شخصية قبيحة في رواية تشارلز ديكينز). ومن شأن تخفيضات الميزانية أن تجعل من الصعب على وكالات الأمم المتحدة منع الحروب ومساعدة ملايين الأشخاص الذين نزحوا بسبب الصراعات، وإطعام وكسي الأطفال الجياع، ومحاربة الأمراض الناشئة وتوفير المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي وتعزيز فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية للفقراء.

إن الرئيس دونالد ترامب والسفيرة هالي يجنيان الكثير من التكاليف المتضخمة لعمليات الأمم المتحدة، وهناك بالتأكيد مجال لبعض التشذيب. ولكن العالم يتلقى عائد مذهل مقابل استثماراته في الأمم المتحدة، وينبغي للبلدان الأعضاء الاستثمار أكثر بكثير، وليس أقل، في منظماتها وبرامجها.

يجب أخذ هذه المبالغ بعين الاعتبار. وستبلغ الميزانية العادية للأمم المتحدة في عامي 2018 و 2019 حوالي 5.3 مليار دولار، أي بمقدار 285 مليون دولار أقل عن ميزانية الفترة ما بين عام 2016 و 2017. ويبلغ الإنفاق السنوي حوالي 2.7 مليار دولار. وستكون حصة الولايات المتحدة 22٪، أو حوالي 580 مليون دولار سنويا، أي ما يعادل حوالي 1.80 دولار أمريكي لكل أمريكي في السنة.

ما الذي سيحصل عليه الأميركيون مقابل 1.80 دولار سنويا؟ بداية، تشمل الميزانية العادية للأمم المتحدة أنشطة الجمعية العامة ومجلس الأمن والأمانة العامة (بما في ذلك مكتب الأمين العام وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وإدارة الشؤون السياسية والموظفين الإداريين). عندما ينشأ تهديد خطير للسلام، مثل المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فإن إدارة الشؤون السياسية بالأمم المتحدة غالبا ما تساعد الدبلوماسية السرية.

بالإضافة إلى ذلك، تشمل الميزانية العادية للأمم المتحدة مخصصات لمنظمة الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان والهيئات الإقليمية للأمم المتحدة (لأفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (لمواجهة الكوارث)، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (من أجل حقوق المرأة) وكثيرا من الوكالات الأخرى، وكل منها متخصص في الاستجابات العالمية للأزمات أو الصراعات أو الفقر أو التشرد أو المخاطر البيئية أو الأمراض أو غيرها من الاحتياجات العامة.

وتتلقى العديد من منظمات الأمم المتحدة مساهمات "طوعية" إضافية على انفراد من بلدان مهتمة بدعم المبادرات المتخصصة من جانب وكالات مثل اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية. وعلى أية حال، فإن لهذه الوكالات مهمة عالمية فريدة وشرعية سياسية، وقدرة على العمل في جميع أنحاء العالم.

لفهم غباوة الهجوم الأمريكي على حجم ميزانية الأمم المتحدة يجب مقارنتها بميزانية البنتاغون. تنفق الولايات المتحدة حاليا حوالي 700 مليار دولار سنويا على الدفاع، أو ما يقرب من 2 مليار دولار يوميا. وهكذا، يبلغ مجموع الميزانية العادية السنوية للأمم المتحدة حوالي يوم واحد وتسع ساعات من الإنفاق العسكري الأمريكي. وتساوي حصة الولايات المتحدة من الميزانية العادية للأمم المتحدة ما يقرب من سبع ساعات من إنفاق البنتاغون. يا للمفارقة.

يضغط ترامب وهالي على ميزانية الأمم المتحدة لثلاثة أسباب. الأول التقرب إلى قاعدة ترامب السياسية. يعترف معظم الأمريكيين بالقيمة الهائلة للأمم المتحدة ويدعمونها، ولكن هامش اليمين في أوساط الناخبين الجمهوريين يعتبر الأمم المتحدة إهانة للولايات المتحدة. وأظهرت دراسة بيو لعام 2016 أن موافقة الولايات المتحدة العامة على الأمم المتحدة تبلغ 64٪، بينما يرى 29٪ فقط أنها غير مواتية. ولكن الحزب الجمهوري في تكساس، على سبيل المثال، دعا الولايات المتحدة مرارا إلى مغادرة الأمم المتحدة.

والسبب الثاني هو الادخار بتخفيض البرامج المكلفة، وهو أمر ضروري في أي منظمة. والخطأ هو خفض الميزانية الإجمالية، بدلا من إعادة تخصيص الأموال وزيادة النفقات على البرامج التي تشتد الحاجة إليها لمكافحة الجوع والمرض، وتعليم الأطفال، ومنع الصراعات.

السبب الثالث والأخطر لخفض ميزانية الأمم المتحدة هو إضعاف التعددية باسم "السيادة الأمريكية". أمريكا هي ذات سيادة، كما يصر ترامب وهالي، وبالتالي يمكن أن تفعل أمريكا ما تريد، بغض النظر عن معارضة الأمم المتحدة أو أي مجموعة أخرى من البلدان.

وقالت هالي في ختام كلمتها أمام الدورة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس التي رفضت فيها الدول الأعضاء بشكل كبير اعتراف أميركا من جانب واحد بالقدس عاصمة لإسرائيل أن "أميركا ستضع سفارتنا في القدس". وهذا هو ما يريده الشعب الأمريكي منا، وهو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. ولن يكون  للتصويت في الأمم المتحدة أي تأثير ".

وتنطوي هذه المقاربة للسيادة  الوطنية على مخاطر كبيرة. والأكثر وضوحا هو أنها تنبذ القانون الدولي. وفي حالة القدس، أعلنت القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة ومجلس الأمن مرارا وتكرارا أن الوضع النهائي للقدس مسألة من مسائل القانون الدولي. إن الولايات المتحدة، بإعلانها بجرأة الحق في تجاوز القانون الدولي، تهدد صرح التعاون الدولي بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

وهناك خطر كبير آخر يُحدق بالولايات المتحدة نفسها. عندما تمتنع أمريكا عن الاستماع إلى بلدان أخرى، فإن قوتها العسكرية الواسعة وغطرستها كثيرا ما تؤدي إلى وقوع كوارث ذاتية. ينزعج أصحاب شعار أمريكا أولا مثل ترامب وهالي  عندما تعارض دول أخرى السياسة الخارجية الأمريكية؛ ولكن هذه الدول الأخرى عادة ما تعطي نصيحة جيدة وصريحة  للولايات المتحدة. فمعارضة مجلس الأمن للحرب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق في عام 2003، على سبيل المثال، لم يُقصد منها إضعاف أمريكا، بل حمايتها، وحماية العراق، بل والعالم، من غضب أمريكا وعدم اكتراثها إلى الوقائع.

"باه! هومبوج! "قال سكروج. لكن رسالة تشارلز ديكنز كانت على وجه التحديد أن الخادع هو الضحية الأولى لغطرسته وبؤسه وقسوته.

http://prosyn.org/yHUTJlu/ar;

Handpicked to read next