Civilians and pro-government forces walk down the destroyed Thalateen Street in the Yarmuk LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images

وصفة ترمب للفوضى في الشرق الأوسط

برلين ــ من الواضح أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق من هذا الشهر بسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والتحول نحو سياسة تركز على تجديد العقوبات والمواجهة، من شأنه أن يجعل مستقبل الشرق الأوسط أكثر غموضا. ولم تكن العلامات في الأسابيع التي تلت صدور ذلك القرار مشجعة.

الواقع أن قرار ترمب لا يمكن تبريره بأي خرق للاتفاق من جانب إيران. إنه بالأحرى عودة إلى سياسة المواجهة القديمة وغير الناجحة إلى حد كبير التي انتهجتها الولايات المتحدة في التعامل مع إيران. والفارق الوحيد هذه المرة هي أن إدارة ترمب تبدو عازمة على الذهاب إلى حافة هاوية الحرب ــ أو حتى ما هو أبعد من ذلك ــ لفرض إرادتها.

إذا كان لدى الإدارة أية خطط للإبقاء على برنامج إيران النووي تحت السيطرة في غياب الاتفاق النووي، فلابد أنها تبقي هذه الخطط سرا. وإذا حكمنا من خلال بعض خطابة الإدارة، فسوف يبدو الأمر وكأن الغارات الجوية ضد منشآت نووية إيرانية من الخيارات المطروحة على الطاولة. لكن القصف لن يفضي إلا إلى تأخير برنامج إيران النووي، وليس وقفه. فهل ينظر ترمب إذن في خوض حرب برية ضخمة لاحتلال البلاد وإسقاط النظام؟ نحن نعلم جميعا كيف كانت عواقب هذه الاستراتيجية عند تجربتها آخر مرة.

لم يكن المقصود من خطة العمل الشاملة المشتركة التي أبرمتها إيران والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي، منع سباق تسلح نووي في المنطقة أو مواجهة عسكرية فحسب، بل كان المفترض أن تعمل كخطوة أولى نحو خلق نظام إقليمي جديد أكثر استقرارا ويشمل إيران.

تأسس النظام القديم بموجب اتفاقية سايكس-بيكو إبان الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا. وهي الاتفاقية التي خلقت إلى حد كبير الحدود الوطنية القائمة في المنطقة اليوم. وبعد مرور قرن من الزمن، بات من الواضح أن النظام القديم عفا عليه الزمن، لأنه لم يعد يوفر أي مظهر من مظاهر الاستقرار.

بدلا من ذلك، كانت القوى الإقليمية الأكثر أهمية ــ إسرائيل، وإيران، والمملكة العربية السعودية، وتركيا ــ تتنافس جميعها لفرض نفوذها في الحرب الدائرة في سوريا، وهي تنزلق بشكل جماعي نحو صراع يائس بلا طائل للسيطرة على المنطقة بأسرها. ولأن أي دولة بمفردها لا تملك القوة الكافية لإزالة أو إخضاع الدول الأخرى، فإن هذا الصراع المتصاعد لا يَعِد إلا بسنوات، وربما بعقود، من الحرب.

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

ويمكننا إرجاع حالة عدم الاستقرار في المنطقة مباشرة إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق واحتلالها في عام 2003. فبإسقاط نظام صدّام حسين، اكتسبت إيران فجأة الفرصة لملاحقة نوع من شبه الهيمنة في المنطقة، بدءا بجارتها ذات الأغلبية الشيعية. وبعد سلسلة من الأخطاء التي ارتكبها الغرب في سوريا، أصبحت إيران قادرة على ترسيخ وجود بلا عوائق ويمتد على طول الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط.

على هذه الخلفية جرى التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة. كان المقصود من الاتفاق إعادة دمج إيران في النظم الدولي، وبالتالي تشجيعها على الاضطلاع بدور إقليمي أكثر مسؤولية. لكن القرار الذي اتخذه ترمب منع هذا الاحتمال، تاركا دور إيران في مستقبل المنطقة مسألة مفتوحة للتخمينات. ولكن تجنبا لأي لبس، سوف تظل إيران تمثل جزءا لا يتجزأ من الشرق الأوسط على نحو أو آخر. إنها حضارة قديمة لا يمكن ببساطة تهميشها أو تجاهلها، ما لم يكن المرء راغبا في استدعاء المزيد من الفوضى.

بعد التخلي عن إطار التأثير على إيران بالوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، يصبح البديل الوحيد لدى إدارة ترمب الآن هو تغيير النظام. ومن الواضح أن صقور البيت الأبيض مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون لم يلتفتوا إلى أي من الدروس المستفادة من كارثة الولايات المتحدة في العراق. ونظرا للفشل في جلب الاستقرار إلى العراق أو سوريا، فلابد أن يكون من الواضح أن تصعيد المواجهة مع دولة أكبر كثيرا مثل إيران أمر يتنافى تماما مع العقل.

من المؤسف أن خطة العمل الشاملة المشتركة ربما لا تتمكن من البقاء بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية. ذلك أن الشركات الأوروبية لن تتخلى عن السوق الأميركية الأكبر كثيرا حتى يتسنى لها أن تحافظ على العلاقات مع إيران. وبمجرد أن تفقد إيران شريان الحياة الاقتصادية الممدود إليها من أوروبا وأجزاء أخرى من العالَم، فربما تقرر إعادة تشغيل برنامجها النووي، أو حتى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، مما يزيد من مخاطر اندلاع الحرب.

فضلا عن ذلك، تعمل روسيا والولايات المتحدة على تقويض جهود منع الانتشار النووي من خلال تحديث ترسانتيهما النووية. وفي حين تحدث قادة الدولتين ذات يوم عن الحد من الأسلحة المتفق عليه والتحقق من نزع السلاح، أصبحوا الآن أكثر اهتماما بالرؤوس الحربية النووية المصغرة التي يمكن استخدامها لتحطيم المرافق الحصينة تحت الأرض.

عندما تتصرف القوى النووية الرائدة في العالَم على هذا النحو، يصبح احتمال نشوب حرب كبرى أخرى في الشرق الأوسط أكثر إثارة للرعب. فمع تزايد تورط روسيا في سوريا، أصبح خطر وقوع صدام بين قوات روسية وغربية في المنطقة متناميا بالفعل. وليس الأمر وكأن روسيا قد تتخلى ببساطة عن موقع القوة الجديد بالتخلي عن إيران الآن.

لا شيء من هذا يبشر بالخير من منظور أوروبا، التي ستتأثر بشكل مباشر بتصعيد التوترات في المنطقة، نظرا لقربها الجغرافي والتزاماتها التاريخية تجاه إسرائيل. في هذه الحالة، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقود الجهود الرامية إلى إيجاد حل تفاوضي يعالج نوايا الهيمنة من قِبَل القوى الإقليمية وقضية الحد من الأسلحة النووية والتقليدية.

في الوقت الراهن، يتعين على أوروبا أن تؤكد على مكانتها كصوت العقل، من خلال التمسك بقوة بفكرة إعادة ترتيب الشرق الأوسط سلميا ــ بصرف النظر عن مدى صعوبة المهمة في الوقت الحالي. يدرك الأوروبيين تمام الإدراك العواقب المترتبة على صراعات الهيمنة التي لا تنتهي. فقد تأسس الاتحاد الأوروبي كاستجابة لقرن من الزمن من الحروب المرعبة التي دفعت أوروبا إلى حافة هاوية تدمير الذات. وكان الدرس منذ ذلك الوقت واضحا: فلن يتسنى ضمان إقامة نظام إقليمي سلمي إلا من خلال المصالحة والتعاون. أما طريقة ترمب ــ فرض الهيمنة ــ فلا تعني إلا الفوضى.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/7AxaDwr/ar;

Handpicked to read next

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.