Kevin Lim/The Strait Times/Getty Images

إرث قمة سنغافورة الملتبس

نيويورك ــ عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من اجتماع القمة القصير في سنغافورة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون في حالة من الابتهاج الشديد. حتى أن ترمب عَلَّق على موقع تويتر قائلا: "الآن يستطيع كل إنسان أن يشعر بقدر من الأمان أكبر كثيرا من اليوم الذي توليت فيه منصبي. فلم يعد هناك تهديد نووي من جانب كوريا الشمالية". وفي وقت لاحق قال للمراسلين: "لقد حللت هذه المشكلة".

ولكن هناك مشكلة واحدة: وهي أن كل ما ادعاه ترمب غير صحيح. فلا يزال التهديد النووي الذي تفرضه كوريا الشمالية باقيا على حاله. وكان البيان المشترك الصادر عن الزعيمين مقتضبا ــ 391 كلمة فقط ــ كما كان غامضا.

كان البيان يدور حول التطلعات وليس الإنجازات. فلم تلتزم كوريا الشمالية إلا "بالعمل نحو نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية بالكامل". ولكن غاب عن الأمر أي تعريف لما قد ينطوي عليه نزع السلاح النووي، أو أي جدول زمني للتنفيذ، أو أي إشارة إلى كيفية التحقق من أي إجراءات. ولم تُذكَر حتى قضايا أخرى متعلقة بالأسلحة النووية، بما في ذلك الصواريخ الباليستيكية. وحتى الآن على الأقل، لا يرقى الاتفاق مع كوريا الشمالية حتى إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي استنكره ترمب ــ ثم تبرأ منه قبل شهر من مقابلة كيم.

هذا لا يعني أن قمة سنغافورة كانت بلا قيمة. ففي الوقت الحالي على الأقل، أصبحت العلاقات الثنائية في حال أفضل مما كانت عليه قبل عام واحد، عندما كانت كوريا الشمالية تجري تجارب نووية وصاروخية، وكان المراقبون (وأنا منهم) مشغولين بحساب احتمالات دخول الدولتين في حرب وليس انخراطهما في صنع السلام. بالنظر إلى المستقبل، يمكننا أن نتبين من حيث المبدأ احتمال تمكن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية من التوصل إلى اتفاق بشأن العديد من القضايا والتفاصيل المهمة التي أغفلتها قمة سنغافورة.

لكن تحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة واقعة أمر صعب للغاية. فهناك العديد من الأسباب التي تدعونا إلى الشك في تخلي كوريا الشمالية في أي وقت في المستقبل عن الأسلحة، التي تفسر أكثر من أي شيء آخر رغبة أميركا في التعامل معها بجدية وندا لند. بالإضافة إلى هذا، لم تكن تجربة أوكرانيا، الدولة التي تخلت عن أسلحتها النووية ورغم ذلك لم يحرك العالَم ساكنا عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، لتقدم لكيم جونج أون أي سبب يحمله على أن يحذو حذوها. وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن ليبيا، بالنظر إلى المصير الذي انتهى إليه العقيد معمر القذافي.

هناك أيضا سبب وجيه للشك في إقدام كوريا الشمالية، الدولة الأكثر انغلاقا وسرية، على السماح بذلك النوع من عمليات التفتيش الدولية المتطفلة التي ستكون لازمة للتحقق من امتثالها للتعهدات المنصوص عيها في أي اتفاقية في المستقبل.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

ويبدو أن ترمب يعتقد أن كيم يمكن حمله على الامتثال ليس ببساطة من خلال التهديد والضغوط فحسب، بل وأيضا من خلال الإطراء والوعود. وقد أذاع البيت الأبيض مقطع فيديو من أربع دقائق أظهر كيم على أنه رجل قد يتحول إلى شخصية تاريخية عظيمة إذا تغير بشكل جوهري. كما كان الفيديو حريصا كل الحرص على إظهار ما قد تجنيه كوريا الشمالية اقتصاديا إذا لبت المطالب الأميركية. حتى أن الرئيس تحدث عن الإمكانات التي يتمتع بها الشمال كموقع للتطوير العقاري والسياحة.

ولكن لم يخطر على ذهن ترمب كما يبدو أن مثل هذا المستقبل يحمل من المخاطر أكثر مما يحمل من وعود من منظور شخص حكمت أسرته بقبضة من حديد لثلاثة أجيال. فربما تجد كوريا الشمالية المفتوحة على رجال الأعمال من الغرب نفسها قريبا مخترقة بالأفكار الغربية. ومن المؤكد أن الاضطرابات الشعبية ستتبع ذلك.

يؤكد ترمب على أهمية العلاقات الشخصية، وقد ادعى أنه أنشأ علاقة شخصية مع كيم في غضون ساعات. وقد تحدث أكثر من مرة عن الثقة التي يكنها لزعيم يحمل سجلا في قتل أولئك الذين يرى أنهم أعداؤه (ومنهم عمه وشقيقه). وكل هذا يقلب رأسا على عقب مقولة رونالد ريجان "ثِق، ولكن تحقق"، لكي تتحول إلى "لا تتحقق، ولكن ثِق".

الواقع أن بعض تعليقات ترمب بعد القمة أضعفت في حقيقة الأمر إمكانية تحقيق أهدافه. ذلك أن تصويره للقمة على أنها نجاح عظيم ساهم في تمكين حل المشكلة النووية من شأنه أن يزيد إلى حد كبير من صعوبة الحفاظ على الدعم الدولي للعقوبات الاقتصادية التي لا تزال مطلوبة للضغط على كوريا الشمالية. كما أساء ترمب لنفسه عندما أعلن من جانب واحد أن الولايات المتحدة لم تعد تقوم بما وصفه بأنه ألعاب حرب "استفزازية"، والمعروفة أيضا بمسمى التدريبات العسكرية التي كان الهدف منها ضمان الاستعداد وتعزيز الردع. وبهذا فإنه لم يزعج العديد من حلفاء الولايات المتحدة فحسب، بل وتنازل أيضا عن ما كان بوسعه أن يقايض عليه في مقابل تنازل من جانب كوريا الشمالية.

مكمن الخطر بطبيعة الحال هو أن تفشل المفاوضات اللاحقة، لكل هذه الأسباب، في تحقيق نزع السلاح النووي الكامل القابل للتحقق في كوريا الشمالية، وهو ما قالت الولايات المتحدة إنه لابد أن يحدث قريبا. ومن المرجح أن يبادر ترمب آنئذ إلى اتهام كيم بخيانة الثقة.

في هذه الحالة، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام ثلاثة خيارات. فهي ربما تقبل بما هو أقل من النزع الكامل للسلاح، وهي النتيجة التي قال ترمب وكبار مساعديه إنهم سيرفضونها. وقد تفرض حتى عقوبات أكثر صرامة، والتي من غير المرجح أن تتقبلها الصين وروسيا. أو ربما تعيد تقديم التهديد باستخدام القوة العسكرية، وهو ما ستقاومه كوريا الجنوبية بشكل خاص.

ولكن إذا استنتج ترمب أن الدبلوماسية فشلت، فربما يختار رغم ذلك العمل العسكري، وهو المسار الذي اقترحه جون بولتون قبل أن يصبح مستشارا للأمن القومي. وهذا ليس الإرث الذي تصوره ترمب من قمة سنغافورة، لكنه يظل أكثر احتمالا من الإرث الذي قد تحملنا التغريدات المتفائلة على تصوره.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/R4nAtgh/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.