G7 meeting MIGUEL MEDINA/AFP/Getty Images

السيد ترمب والعواقب التي تخلفها رئاسته على الاقتصاد الدولي

باريس ــ أثبت المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام كونه فرصة أخرى متاحة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستعراض الفجور اللفظي وإرسال موجات الصدمة عبر الاقتصاد العالمي. وهذه المرة أتت الصدمة من مصدرين.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

جاءت الصدمة الأولى من وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين، الذي أنهى أكثر من عقدين من الزمن من الانضباط الصارم عندما اقترح أن الدولار الأضعف يصب في مصلحة الولايات المتحدة. وكانت الصدمة الثانية قادمة من وزير التجارة ويلبر روس، الذي بدا وكأنه مبتهج إزاء احتمال شن حرب تجارية والفوز بها.

وعلى سبيل التغيير، كان ترمب ذاته هو الذي استعاد الهدوء عندما نفى أن الولايات المتحدة تسعى إلى انتهاج استراتيجية إفقار الجار. ولكنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن اجتذبت تصريحات وزراء حكومته ردود فعل حادة من جانب الشركاء الدوليين.

وإذا كان لنا أن نستخلص من السنة الأولى التي قضاها ترمب في السلطة أي مؤشر لتصرفاته الآتية، فلن نجد من الأسباب ما قد يدعونا إلى التطلع إلى قيادة اقتصادية أميركية مستقرة. فبعد سنة من تنصيبه، زودنا مؤتمر دافوس بتذكرة قوية بأنه بعيد تماما عن ضبط سلوكه.

إحقاقا للحق، لم تكن إدارة ترمب بكل تأكيد أول من يرفع شعار "أميركا أولا". فبسبب نظامها السياسي المنغلق على ذاته واستمرار التيارات التحتية الانعزالية القوية، كانت الولايات المتحدة أكثر من الدول الأوروبية عزوفا عن الدخول في التزامات دولية أو التقيد بها. ومن الأمثلة على هذا، رفض ميثاق هافانا في عام 1948 (الذي كان محاولة مبكرة لإنشاء منظمة تجارية عالمية)، وعداء الكونجرس الأميركي لمؤسسات بريتون وودز، ورفض الرئيس جورج دبليو بوش التصديق على بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ.

على نحو مماثل، لم يبدأ اتخاذ تدابير قاسية للدفاع عن المصالح الأميركية بقدوم ترمب. فكان القرار الذي اتخذه الرئيس ريتشارد نيكسون من جانب واحد في عام 1971 بالتخلي عن معيار الذهب بمثابة ضربة قوية للنظام النقدي الدولي. وكانت التجربة النقدية التي خاضها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أواخر سبعينيات القرن العشرين سببا في التعجيل باندلاع أزمة الديون في أميركا اللاتينية. كما كان في أساليب لي الذراع التي استخدمت مع اليابان في الثمانينيات التفافا حول قواعد التجارة الراسخة. وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ذهب بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تنفيذ برنامج التيسير الكمي على الرغم من الاحتجاجات بأن هذا البرنامج من شأنه أن يسمح للولايات المتحدة بتصدير الانكماش.

ومع ذلك، هناك شيء مختلف هذه المرة. فمنذ ورثت الولايات المتحدة القيادة العالمية من المملكة المتحدة ــ رمزيا مع التوقيع على ميثاق الأطلسي في صيف عام 1941 ــ وحتى انتخاب ترمب بعد خمسة وسبعين عاما، لا يشك كثيرون في أنها كانت المالك المطلق للنظام الاقتصادي الدولي. واعتمادا على التوقيت والظروف السياسية، كان بوسع الولايات المتحدة أن تتلاعب بالقواعد أو تساعد في إنفاذها؛ وكان بوسعها أن تتصرف بقدر أكبر من الأنانية أو السخاء؛ كما كان بوسعها أن تسعى إلى تحقيق أهداف ضيقة قصيرة الأجل أو أهداف عريضة وطويلة الأجل. ولكن أيا كان تصرف الولايات المتحدة، فإنها ظلت صاحبة المصلحة المهيمنة في النظام العالمي. وكانت بقية دول العالم تدرك ذلك تمام الإدراك.

ولم يخل الأمر من أسباب جيوسياسية قوية وراء هذا الموقف. فحتى نهاية الحرب الباردة، كانت المؤسسة الأميركية تعتبر نظام القواعد والمنظمات الذي شكل البنية التحتية المؤسسية للتجارة الدولية، والاستثمار، والتمويل، كيانا بالغ الأهمية لازدهار "العالم الحر" واحتواء النفوذ السوفييتي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، خدم النظام كوسيلة استراتيجية لدمج الدول الشيوعية سابقا في الاقتصاد الرأسمالي الدولي.

في نهاية المطاف، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح النظام الاقتصادي العالمي يُعَد المنصة الأفضل لاستيعاب صعود الصين. ودعيت الصين إلى الانضمام إلى النادي، مع وعد ضمني بتمكينها بعد أن تتعلم كيف تلعب وفقا للقواعد من المساهمة في تعديل هذه القواعد. وكانت لتحظى بالفرصة للمشاركة في توجيه النظام الدولي، واكتساب القوة والنفوذ تدريجيا. وكان انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 من المعالم المهمة على هذا الطريق.

وما تغير جوهريا مع قدوم إدارة ترمب ليس أنها تتصرف بقدر أكبر من الأنانية مقارنة بالإدارات السابقة، بل عدم اقتناعها الواضح بأن دعم النظام العالمي يخدم المصالح الاستراتيجية الأميركية. والأمر الأكثر أهمية هو أنها غير مقتنعة بأن دمج الصين في هذا النظام وتقديم مكان لها على رأس الطاولة هو أفضل طريقة لاستيعاب قدرتها الاقتصادية المتزايدة.

من منظور بقية العالَم، يدور السؤال الرئيسي الآن حول ما إذا كان النظام العالمي قادرا على الصمود بالقدر الكافي لتحمل انسحاب صانعه.

ظاهريا، تبدو العواقب الاقتصادية الدولية المترتبة على رئاسة ترمب حميدة بشكل ملحوظ. فقد تضاءلت المخاوف بشأن حروب العملة. ولم ينزلق الاقتصاد العالمي إلى دوامة سياسات الحماية. وحتى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس المناخي الهش لم يسفر عن انهياره. بل على العكس من ذلك، أَكَّد كل الزعماء الآخرين ــ بدءا بالرئيس الصيني شي جين بينج ــ على التزامهم بالاتفاق، كما صدقت عليه 174 دولة رسميا. وربما تبدو المخاوف في المجال الأمني أكثر خطورة، بسبب النزاعات حول الاتفاق النووي الإيراني وعدم اليقين بشأن التعامل مع الصواريخ التي تطلقها كوريا الشمالية.

لكن الرأي القائل بأن الاقتصاد، على الأقل، يقف على أرض ثابتة، مضلل إلى حد خطير، لأنه يفترض أن قواعد الاقتصاد العالمي ومؤسساته أنشأت ما يعادل دستورا اقتصاديا وماليا. والواقع أن النظام يظل منقوصا إلى الحد الذي يجعله عاجزا عن تنظيم نفسه بنفسه، ويتطلب أداؤه لوظيفته على الوجه الصحيح التوجيه المستمر ومبادرات تقديرية متكررة. ولهذا السبب تظل تجمعات غير رسمية مثل مجموعة الدول السبع ومجموعة العشرين أساسية: فهي توفر الزخم السياسي اللازم. ولكنها تعتمد أيضا بشكل حاسم على الدعم من الولايات المتحدة وقيادتها.

على سبيل المثال، لم تكن قواعد النظام هل التي عرضت الاستجابة لأزمة 2008؛ بل كانت سلسلة من المبادرات المرتجلة ــ تجميد الحماية التجارية، وعمليات إنقاذ البنوك المنسقة، والتحفيز العالمي، وتوفير السيولة الدولارية من خلال خطوط المبادلة على سبيل المثال لا الحصر ــ التي تدين بالكثير للولايات المتحدة. ولولا قيادة الولايات المتحدة والمبادرات التي قامت بها قوى أساسية مثل المملكة المتحدة وفرنسا، فإن الأزمة كانت لتصبح أسوأ كثيرا.

صحيح أن القوى الرئيسية الأخرى ــ أوروبا، والصين، والهند، واليابان ــ ربما تتمكن في نهاية المطاف من ممارسة القيادة العالمية، غير أنها في الوقت الحاضر تفتقر إلى القدر الذي تستلزمه هذه القيادة من الإرادة، والقدرة، والتماسك. وعلى هذا، فلا ينبغي للعالَم أن يستسلم لأي وهم. فالحفاظ على مسار السفينة بعد أن هجرها الربان ليس كمثل توجيهها في عاصفة على الإطلاق. ولنأمل أن لا تتجمع العاصفة التالية قبل أن نستعد لها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/GeNaTVk/ar;

Handpicked to read next