34

نهاية إدارة ترمب

مكسيكو سيتي ــ بدأت نظرة العالَم إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تتغير للأسوأ. والواقع أن حالة الفوضى والمجادلات التي أحاطت بالفترة القصيرة التي أمضاها ترمب في منصبه حتى الآن كانت كافية لتعميق الشكوك، سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة، حول ما إذا كانت رئاسته قد تستمر إلى نهاية ولايته الأولى لأربع سنوات.

وقد أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن منظور أوروبا بأكبر قدر من الوضوح. فبعد قمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الجدالية واجتماع مجموعة الدول السبع الكبرى الصاخب المتنافر، خلصت إلى أن الولايات المتحدة، في عهد ترمب، لم يعد من الممكن النظر إليها باعتبارها شريكا جديرا بالثقة. فقالت بوضوح شديد: "انتهى العصر الذي كنا فيه قادرين على الاعتماد بشكل كامل على آخرين".

كانت تصريحات ميركل مدفوعة جزئيا بالخلاف بين ترمب وأوروبا بشأن تغير المناخ، والتجارة، وحلف شمال الأطلسي (وخاصة المادة الخامسة، وفقرتها الخاصة بالدفاع الجماعي التي رفض ترمب التصديق عليها)، والعلاقات مع روسيا. لكن الخلاف حول مثل هذه القضايا يعكس انقسامات داخل إدارة ترمب، مما يثير التساؤلات حول من هو القائم على المسؤولية حقا، إن كان هناك أي قائم عليها.

لنتأمل هنا القرار الذي اتخذه ترمب بسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ. دعا إلى هذه الخطوة ستيف بانون، كبير الخبراء الاستراتيجيين في إدارة ترمب، وكاتب خطاباته ستيفن ميلر. ولكن وزير الخارجية رِكس تيلرسون، فضلا عن إيفانكا ابنة ترمب، وصهره جاريد كوشنر ــ وكل منهما يشغل منصب مستشار رسمي في البيت الأبيض ــ ربما لم يؤيدوا الانسحاب من الاتفاق، على الرغم من دفاع تيلرسون في المناسبات العامة عن قرار رئيسه.

وتمثل التجارة قضية أخرى متنازع عليها داخليا. إذ يعارض بانون النظام الحالي القائم على الانفتاح العالمي، كما يعارضه بيتر نافارو، الذي يتولى رئاسة مجلس التجارة الوطني في البيت الأبيض. ويؤيد وزير التجارة ويلبر روس التجارة المفتوحة، ولكن ليس بدون تحفظات. وعلى نحو مماثل، يفضل الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر المفاوضات الصعبة على الانقطاع، وإن كان في تشاحن مع روس.

أما عن حلف شمال الأطلسي وروسيا، فقد ردد تيلرسون تصريحات ترمب في الضغط على الأعضاء الأوروبيين في التحالف لزيادة إنفاقهم الدفاعي. ولكنه اتخذ أيضا موقفا أكثر تشددا من موقف ترمب في التعامل مع روسيا، فدعا إلى نهج أكثر قوة ووحدة من قِبَل الولايات المتحدة وأوروبا. وفي حين يتفق مستشار الأمن القومي ه. ر. ماكماستر مع تيلرسون من الناحية النظرية، فقد بدأت المعارك على النفوذ بين الرجلين بالفعل ــ وهو تقليد عريق.

وقد أثار هذا الاقتتال الداخلي المخاوف في أماكن أبعد من أوروبا. فكما أخبرني أحد وزراء خارجية أميركا اللاتينية مؤخرا، "من الواضح أن الجميع يقاتلون الجميع على كل شيء". أضف إلى هذا التحقيق في العلاقة بين حملة ترمب وروسيا، فضلا عن انخفاض معدلات شعبية الإدارة بشدة، فيصبح من السهل أن نفهم لماذا يتساءل كثيرون ما إذا كان من الواجب عليهم أن يكلفوا أنفسهم عناء التعامل مع ترمب على الإطلاق. وقد أرجأ الرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو الاجتماع مع ترمب إلى أجل غير مسمى، كما اتجهت دول أخرى إلى تعليق العلاقات مع الولايات المتحدة.

الآن، بعد أن أصبحت نهاية رئاسة ترمب مبكرا أقرب احتمالا بمرور كل يوم، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا كيف قد يتحقق ذلك. هناك احتمالات ثلاثة.

المسار الأول والأشهر هو المحاكمة أمام الكونجرس: حيث يوجه غالبية أعضاء مجلس النواب إلى ترامب الاتهام بارتكاب "جرائم عليا وجنح"، ثم يُدان بأغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، ويُعزل من السلطة. بيد أن مثل هذه النتيجة ــ التي يتطلب التوصل إليها تأييد 20 نائبا جمهوريا في مجلس النواب بالإضافة إلى 18 عضوا جمهوريا في مجلس الشيوخ، فضلا عن أصوات كل الديمقراطيين في المجلسين ــ تظل غير مرجحة إلى حد كبير. ولكن كل شيء قد يتغير إذا كشفت التحقيقات في محاولات روسيا التأثير على انتخابات عام 2016 واحتمال التواطؤ مع حملة ترمب عن حقائق وأدلة دامغة.

ويتطلب الخيار الثاني، وفقا للقسم الرابع من التعديل الخامس والعشرين للدستور، إعلان نائب الرئيس ومجلس الوزراء أو الكونجرس أن الرئيس "عاجز عن أداء صلاحيات وواجبات منصبه". ويبدو هذا أقل ترجيحا من العزل، ما لم تُشِر بعض سلوكيات ترمب ــ مثل تغريداته في منتصف الليل أو الهجمات المتبجحة في جلسات خاصة على مساعديه (وآخرهم النائب العام جيف سيسيونس) ــ بوضوح إلى خلل عصبي أو مرض نفسي.

أما الخيار الثالث، والذي أطلق عليه بعض المراقبين وصف "حل نيكسونيان"، فهو الأكثر إثارة للاهتمام. ففي عام 1974، استقال الرئيس ريتشارد نيكسون قبل أن يصوت الكونجرس لتوجيه الاتهام إليه وعزله. وبعد أسابيع، منحه خليفته جيرالد فورد عفوا كاملا وغير مشروط عن كل الجرائم المحتملة.

في حالة ترمب، يمكن تحفيز الاستقالة بفعل الرغبة في الحصول على عفو مماثل. وعلى الرغم من عدم إمكانية توجيه الاتهام إلى ترمب بارتكاب جرائم جنائية أثناء توليه منصبه رئيسا للولايات المتحدة، فمن الممكن محاكمته بسبب سلوكيات غير قانونية بعد مغادرته لمنصبه.

علاوة على ذلك، ربما يخضع كل من كوشنر، الذي اتهم بمحاولة إنشاء قناة خلفية لتأمين الاتصال بين البيت الأبيض والكرملين، وإيفانكا، للمحاكمة إذا ثبت تورطهما في اتصالات أو أنشطة غير مشروعة مع عملاء أو مسؤولين روس. وربما يُتَّهَم ابنا ترمب الأكبر، اللذان يديران إمبراطوريته التجارية، بارتكاب جرائم. وإذا أصبح هذا التهديد بارزا، فربما يفضل ترمب الاستقالة وتأمين العفو عن كل المتورطين، بدلا من تحمل عملية الاتهام والعزل التي ربما تنتهي إلى خسارته للرئاسة على أية حال.

ولكن في حين أن خصوم ترمب ربما يرغبون في إزالته من السلطة، فقد يكون أي من هذه السيناريوهات ضارا بالولايات المتحدة وبقية العالَم. ذلك أن المشاركة الأميركية، إن لم يكن الزعامة الأميركية، لا غنى عنها للتعاون الدولي في مجالات مثل التجارة العالمية، وتغير المناخ، والاستجابات لأشكال الأزمات كافة، سواء كانت طبيعية، أو إنسانية، أو نووية. وعلاوة على ذلك، لا تعني نزعة ترمب الانعزالية أن الولايات المتحدة أصبحت غير مهمة أو سلبية؛ وربما تكون أميركا المشتتة أو المعطلة أسوأ كثيرا.

في ضوء كل هذا، ينبغي لمعارضي ترمب في الداخل أن يتوخوا الحذر عندما يتمنون شيئا، وينبغي لحلفاء أميركا أن يسعوا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع إدارته بقدر أكبر من الفعالية. وسوءا شئنا أو أبينا فإن أفضل خيار للعالَم هو ضمان نجاح السنوات الثلاث ونصف السنة القادمة قدر الإمكان ــ أو على الأقل خلوها من الكوارث.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel