3

هل يحتاج دونالد ترمب لاستراتيجية كبرى؟

طوكيو ــ تتألف العلاقات الدولية، سواء اقتصادية أو سياسية، من مزيج من التعاون والمنافسة، شأنها في ذلك شأن أي تفاعل إنساني. يتميز شق "التعاون" بأنه يفيد كل الأطراف المعنية، سواء بمساهمته في دعم السلام العالمي، أو تعزيز النمو والرخاء من خلال التجارة الحرة. أما شق "التنافس" فيخلق مخاطر حقيقية، بداية من العوائق الاقتصادية إلى الحرب والدمار البيئي. فلماذا لا يزيد التعاون بين الدول؟

تعتمد إجابة هذا السؤال جزئيا على ما يسمى بمعضلة السجناء. فربما تتوهم الدول أنها بخيانتها لشركائها ستتمكن من الحصول على "صفقة" أفضل لأنفسها. ومع مواجهتها لإغراء الخداع، قد تصبح هذه الدول قلقة أو حتى مرتابة من خيانة شركائها الذين يواجهون نفس الإغراء. ومن ثمّ، يزداد لديها إغراء البدء بخيانة شركائها.

وبصفة عامة فإن نظرية الألعاب هذه، التي تقدم نماذج رياضية للتنازع والتعاون بين صانعي القرار العقلانيين، لم تقدم الكثير فيما يتعلق بالاستراتيجيات المقبولة للتغلب على هذه المعضلة، ناهيك عن استراتيجية مثلى لحل النزاعات الفعلية. لكن بفضل روبرت أكسيلرود، الأستاذ بجامعة ميتشجان، ربما لم يعد الأمر كذلك.

عقد أكسيلرود دورات بين كبار منظّري الألعاب وعلماء السياسة بهدف التعرف على أكثر الأساليب فعالية في لعبة متكررة تقوم على فكرة معضلة السجناء. وكان الفوز من نصيب استراتيجية العين بالعين لأناتول رابوبورت، باعتبارها الاستراتيجية الأقرب لإفراز نتيجة تعاونية.

ووفقا لمنهج العين بالعين، ينبغي أن تبدأ أي لعبة ثنائية بالتعاون: فإذا كان سلوك اللاعب الآخر متعاونا، ينبغي عليك أن تكون كذلك. أما إذا نكص اللاعب الآخر عن هذا المبدأ، بأن بدأ يُظهر سلوكا غير متعاون، ففي هذه الحالة فقط عليك أن تعامله بالمثل.

وبلا شك قد يكون النكوص مغريا، حتى مع تعاون اللاعب الآخر، بغية زيادة مكاسبك أو حتى لتحصيل مكسب مفاجئ محتمل. لكن وفقا لاستراتيجية العين بالعين، سينكص حينئذ اللاعب الآخر ليكبدك خسائر، سواء في الحال أو بمضي الوقت، ليُضيع أي مكاسب ربما حصلتها.

من خلال تبني منهج البدء بالتعاون ومعاقبة أي لاعب ينكص عنه، تشجع استراتيجية العين بالعين السلوك الإيجابي القائم على المنفعة المتبادلة. لكن يبقى السؤال حول مدى فعاليتها في دنيا الواقع. فمع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترمب معترك العلاقات الدولية بطريقة تنم عن نكوص، ربما حان الوقت لاستكشاف الأمر.

نعرف أنه لطالما بذل المجتمع الدولي المساعي لتشجيع التجارة الحرة، والتي تمثل شكلا من أشكال الحلول التعاونية. لذا فإن أي محاولة من ترمب لتنفيذ وعده الانتخابي بفرض قيود وتعريفات عقابية وضرائب حدودية على التجارة ستعد نكوصا من جانب الولايات المتحدة. في تلك الحالة، سيكون من المعقول، بل والمناسب، أن يرد شركاء أميركا التجاريون بالمثل، وفقا لمنهج العين بالعين. ورغم أن تركيز ترمب على توازنات التجارة الثنائية ينم عن جهل بالكيفية التي تعمل بها التجارة ــ إذ تعتبر التعددية أفضل من الثنائية لأنها تقلل احتمالية اعتماد اقتصاد بعينه على آخر ــ فهذا يجعل أيضا تنفيذ استراتيجية العين بالعين الثنائية أكثر إنصافا.

ويخبرنا التاريخ كيف يمكن أن يؤدي النكوص عن مبدأ التعاون في التجارة إلى نتائج عكسية بكل سهولة. في عام 1930، سنت الولايات المتحدة قانون تعريفة سموت هاولي، الذي رفع رسوم الاستيراد على أكثر من 20 ألف سلعة. وخلال ثلاث سنوات هبطت الواردات الأميركية بمقدار 66%، بينما هوت الصادرات أيضا بنسبة 61%. كما عانى بقية العالم من ذلك، حيث هبطت التجارة العالمية بمقدار الثلثين بين عامي 1929 و1934.

لحسن الحظ تراجع ترمب عن كثير من مواقفه الأكثر عدائية بشأن قضايا التجارة. وأبرز مثال على ذلك، تراجعه عن وعده بتصنيف الصين كدولة متلاعبة بالعملة "من اليوم الأول" من ولايته حسبما تعهد خلال حملته الانتخابية، حيث أسقط التهمة كلية، قائلا إنه ليس هناك ما يدعوه لاتخاذ مثل تلك الخطوة في الوقت الذي تقدم فيه الصين العون في مواجهة تحديات أخرى (مثل التهديد النووي من جانب كوريا الشمالية).

وهناك المزيد من الأخبار السارة: إذ يبدو أن ترمب نفسه بصدد تطبيق استراتيجية العين بالعين بتحركه لمعاقبة الناكصين، بما في ذلك اثنين من أكبر الأعداء: كوريا الشمالية وتنظيم الدولة الإسلامية. وقد تجلى هذا في تفويضه قادة الجيش الأميركي في اتخاذ التدابير التي يرونها مناسبة، وهو ما تمخض عن إسقاط أكبر قنبلة أميركية غير نووية على شبكة أنفاق تحت الأرض في أفغانستان. أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فقد أمر ترمب مجموعة حاملة طائرات تابعة للبحرية الأميركية بالإبحار إلى المياه المواجهة لشبه الجزيرة الكورية، مع إعلان اعتزامه التعاون مع الصين لفرض مزيد من العقوبات على نظام كيم جونج أون.

لكن لا شك أن استخدام ترمب الحدسي لنظرية الألعاب محفوف بالمخاطر، لأنه يتبع سياسة حافة الهاوية مع قوى لم تُظهِر أي رغبة في التعاون على الإطلاق. فالدول الآسيوية على الأخص تراقب تطور وتكشّف الأحداث بأنفاس متهدجة. ولهذا فإن التنفيذ الدقيق والواعي لاستراتيجية العين بالعين أمر بالغ الأهمية.

وهنا قد يكمن قصور إدارة ترمب. فعندما أعلن ترمب عن تحرك حاملة الطائرات يو إس إس كارل فينسون باتجاه شبه الجزيرة الكورية، كانت هذه الحاملة تشارك بالفعل في تدريبات مشتركة مع البحرية الأسترالية في المحيط الهندي على بعد 3500 ميل. ونظرا لهذا الخطأ، لم تفلح هذه الخطوة في بث الثقة في نفوس الكوريين الجنوبيين واليابانيين بأي شكل من الأشكال.

إن التكيف مع السلوك العدواني للناكصين عن مبدأ التعاون لن يجلب سلاما، لكن تأسيس التعاون كخيار وحيد قابل للتطبيق بالنسبة للناكصين قد يسهم في بلوغ هذا الهدف. ولأجل تحقيق ذلك دون تعريض أحد للخطر، لابد أن تضيق فجوة الإدراك بين خيال ترمب والواقع كثيرا.

ترجمة: أيمن السملاوي                  Translated by: Ayman Al-Semellawi