BRENDAN SMIALOWSKI/AFP/Getty Images

الاستراتيجيه العظيمه لترامب

برلين- ان عجز الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن التفكير بشكل استراتيجي يقوض العلاقات الطويلة المدى ويقلب النظام العالمي رأسا على عقب ويعمل على تسريع انحدار النفوذ العالمي لبلاده وذلك طبقا لاعداد متزايده من الافراد الذين يتبنون هذا الطرح ولكن هذا التقييم ليس بالوضوح الذي يدعيه اولئك الذين يؤمنون به وخاصه الخصوم السياسيين والنقاد في وسائل الاعلام الامريكيه الرئيسيه .

لقد كان الانحدار النسبي لامريكا موضوعا ساخنا قبل تولي ترامب مهام منصبه بوقت طويل حيث بدأت هذه العمليه عندما بدأت الولايات المتحده الامريكيه والتي تعزز دورها عندما خرجت من الحرب البارده على انها القوه العظمى الوحيده في العالم بتجاوز قدراتها واجهاد نفسها بشكل كبير وذلك من خلال توسيع انتشارها العسكري وتكثيف التزاماتها الاقتصاديه والامنيه عالميا.

لقد ظهر تجاوز امريكا الامبريالي لقدراتها لاول مره آبان ادارة الرئيس رونالد ريغان حيث توسعت تلك الاداره بشكل مكثف في انفاقها العسكري ولقد وصل ذلك لمستويات الازمه في فترة الغزو الذي قادته الولايات المتحده الامريكيه للعراق سنة 2003 واحتلالها اللاحق لذلك البلد آبان حكم جورج بوش الابن حيث كانت تلك لحظه فارقه تسببت في ضرر لا يمكن اصلاحه للمكانه الدوليه لامريكا.

أما خلال فترة حكم الرئيس باراك اوباما وتحت انظاره ،فلقد تمكنت الصين من توسيع نفوذها العالمي بشكل سريع وبما في ذلك استخدام القوه في تغيير الوضع القائم في بحر الصين الجنوبي (بدون تكبد اية تكاليف دوليه) وعند تلك اللحظة ، فلقد أصبح الأمر جليا حيث انتهت حقبة الهيمنه الامريكيه .

إن هذا يعني اننا لا يمكن ان نلوم ترامب على الانحدار النسبي لامريكا فحسب ،بل في واقع الامر فإنه أيضا في وضع يؤهله لوقف ذلك الانحدار وعلى الرغم من صعوبه توقع تصرفات ترامب فإن العديد من تحركاته الرئيسيه في مجال السياسه الخارجيه توحي بإن ادارته تسعى لتحقيق استراتيجيه عظيمه وشامله من اجل اعادة احياه القوه العالميه لامريكا.

بادىء ذي بدء فإنه يبدو ان ادارة ترامب حريصه على الحد من تجاوز امريكا الامبريالي لقدراتها بما في ذلك تجنب التدخل في الحروب البعيده والطلب من الحلفاء دفع حصتهم العادله فيما يتعلق بالدفاع وفي واقع الامر فإن العديد من اعضاء الناتو لا يعملون على الوفاء بالتزاماتهم المتعلقه بالانفاق مما يجعل دافعي الضرائب الامريكان بتحملون عمليا تكاليف دعم امن هولاء الحلفاء.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

إن هذه الافكار ليست بجديده فحتى قبل ان يقرر ترامب ان يترشح للرئاسه ، كان النقاد يجادلون بإن الولايات المتحده الامريكيه بحاجه لتطبيق سياسة تخفيض النفقات وذلك بالتقليل من التزاماتها  الدوليه بشكل كبير ونقل المزيد من اعباءها الدفاعيه للحلفاء ولكن كان على الولايات المتحده ان تنتظر زعيما مثل ترامب والذي ينظر الى ادارة البلد مثل ادارة شركه تجاريه ولديه الرغبه في السير على هذا الطريق وحتى لو تطلب ذلك تقويض القيم التي عكست لفتره طويله السياسه الخارجيه للولايات المتحده الامريكيه.

إن تركيز ترامب على احتواء الصين- والتي وصفها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي مؤخرا على انها تحدي اكبر من روسيا وحتى في مجال التجسس- يتناغم تماما مع تلك الاستراتيجيه. لقد ساعد الرؤساء الامريكان المتعاقبون من ريتشارد نيكسون وصولا لاوباما الصين في صعودها الاقتصادي. لكن ترامب يتعامل مع الصين ليس كشريك اقتصادي لامريكا ولكن كعدو اقتصادي وحتى كما اشارت لسان حال السلطات الصينية صحيفة تشاينا دايلي " الخصم الاستراتيجي الرئيسي لامريكا".

بشكل عام فإن الرسوم الجمركيه لترامب تستهدف استعادة سيطرة الولايات المتحده الامريكيه على العلاقات الاقتصاديه ذلك من خلال الحد من العجز التجاري المتزايد مع كلا من الاصدقاء والاعداء على حد سواء وتوطين الانشطه الاقتصاديه مجددا وما يصاحب ذلك من وظائف ولكن لم يعد سرا القول بإن الرسوم الجمركيه تستهدف الصين وهي بلد تعمل منذ فتره طويله على تحدي احكام التجاره الدوليه والانخراط في ممارسات عدائيه .

في الوقت نفسه يعمل ترامب على التحقق من فشل الصين في اللحاق بركب الولايات المتحده تقنيا وعلى وجه الخصوص تسعى ادارته الى احباط برنامج "صنع في الصين 2025" وهو برنامج العمل الذي اعلنته الحكومة الصينيه سنة 2015 من اجل تأمين هيمنتها العالميه على عشر صناعات استراتيجيه وذات تقنيه عاليه وذلك من الروبوتات وصولا الى المركبات التي تعتمد على الطاقه البلديله.

يبدو ان النشاطات الدبلوماسيه لترامب تستهدف احراز تقدم فيما يتعلق بهده الرؤيه الاستراتيجيه الاكبر لوقف الانحدار النسبي لامريكا علما انه حاول استرضاء القاده السلطويين وذلك من كيم يونغ اون في كوريا الشماليه وصولا الى فلادمير بوتين في روسيا وذلك من اجل تقديم تنازلات وهي مقاربه حظيت بقدر كافي من الانتقادات ولكن مجاملات ترامب لم تترجم الى تملق.

على سبيل المثال وعلى الرغم من الضجه التي اثيرت بسبب تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسيه سنة 2016 فإن الحقيقه هي انه منذ تولي ترامب مهام منصبه قامت الولايات المتحده الامريكيه بطرد دبلوماسيين روس وأغلقت قنصليه روسيه وفرضت ثلاث جولات من العقوبات على ذلك البلد وتهدد ادارته حاليا بتطبيق عقوبات تتجاوز نطاق البلد من اجل منع البلدان الاخرى من عمل صفقات دفاعيه مهمه مع روسيا والتي تعتبر من المصدرين الرئيسيين للاسلحه.

لم يجامل ترامب اي قائد اجنبي اكثر من الرئيس الصيني تشي جينبينغ والذي وصفه بإنه "رائع" و " رجل مهذب عظيم "ولكن مرة اخرى عندما رفض تشي ان يستجيب لمطالب ترامب ، لم يتردد الرئيس الامريكي بالرد مستخدما التكتيكات الصينيه بما في ذلك التغيير المفاجىء للمواقف التفاوضيه والتصعيد غير المتوقع للتوترات التجاريه.

وحتى المقاربه المباشره لترامب مع كوريا الشماليه تقوض الموقف الصيني وذلك من خلال تجاوزه. إن ترامب محق بالقول ان التوصل لنقله نوعيه في العلاقات الامريكيه –الكوريه الشماليه هي اهم من تأمين الحصول على نزع تام للاسلحه النوويه ولو استطاع ترامب احتواء كوريا الشماليه وهي الحليف العسكري الرسمي الوحيد للصين فإنه سيصار الى اعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي في شمال شرق اسيا وسيصبح الصعود المنعزل للصين اكثر وضوحا من اي وقت مضى.

ان هناك الكثير من المشاكل في اساليب ترامب فاسلوبه التفاوضي المتكلف والذي يفتقد للذوق ولا يمكن توقعه بالاضافه الى تجاهله على الطريقه الصينيه للاعراف الدوليه يزعزع العلاقات الدوليه. ان المتاعب الداخليه مثل الاستقطاب السياسي والجمود التشريعي والذين عمل ترامب بشكل نشط على تعزيزهما تضعف الموقف الامريكي دوليا.

لكن لا احد ينكر ان مقاربة امريكا لابراز عضلاتها "امريكا اولا" والتي تتضمن احدى اهم التعزيزات العسكريه منذ الحرب العالميه الثانيه تعكس رؤيه استراتيجيه تركز بشكل تام على التحقق من بقاء الولايات المتحده الامريكيه اكثر قوه مقارنة بأي خصم في المستقبل المنظور.

ربما الاهم من ذلك كله ان نهج الصفقات فيما يتعلق بالعلاقات الدوليه والذي تعتمد عليه استراتيجيه ترامب من المرجح ان يستمر حتى بعد خروجه من الرئاسه بفتره طويله فالاصدقاء والاعداء على حد سواء يجب ان يعتادوا على امريكا تسعى لتحقيق مصالحها وتعمل ما بوسعها بغض النظر عن التكلفه لمنع تدهورها الحاد.

http://prosyn.org/HHEMrwk/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.