Trump UN speech Drew Angerer/Getty Images

عودة نظرية الرجل المجنون

موسكو - لقد أصدر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فى السبعينات تعليمات لوزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر بإقناع زعماء الدول الشيوعية المعادية بأنه قد يكون متقلب ولا يمكن توقع تصرفاته خاصة عندما يكون تحت الضغط وقد رأى كيسنجر الذي عرف بدهائه السياسي وخبرته في الواقعية السياسية إمكانية نجاح هذا النهج الذي نفذه بسهولة و من هنا ولدت "نظرية المجنون" الدبلوماسية.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كان نيكسون بعيدا عن الجنون على الرغم من افراطه في شرب الكحول في ذروة فضيحة ووترغيت السياسية مما دفع بكيسنجر و وزير الدفاع جيمس شليسنجر إلى وضع وسيلة لمراقبة سيطرته على الشيفره النووية و كان هدف نيكسون من التركيز على طبيعته المتقلبة المزعومة هو إثارة الخوف بين خصومه الأجانب مما يعني أن اغضابه أو الضغط عليه يمكن أن يؤدي الى ردة فعل غير عقلانية – حتى يمكن أن يرد عليهم بالسلاح النووي – و بالتالي إجبار خصومه على التحقق من سلوكهم.

و اليوم مع قيادة دونالد ترامب للولايات المتحدة فإن عقيدة الرجل المجنون تظهر مرة اخرى وبقوة ولكن هذه المرة ليس من الواضح على الاطلاق ان ما يفعله ترامب هو على سبيل التمثيل وانه لن يقرر بالفعل في لحظة غضب أو احباط  الهجوم على خصومه أو حتى إستخدام السلاح النووي ضدهم.

يجب أن يكون الدليل (أ) في جلسة الإستماع حول الصحة العقلية لترامب هو خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يشبه ثرثرة إيريس تارجريان المجنونة وهو "الملك المجنون" في المسلسل التلفزيوني " لعبة العروش" حيث أن ترامب أضاف لمسته الخاصة لمقولة تارغريان المشؤومة "لنحرقهم جميعا" و ذلك عندما هدد بأن الولايات المتحدة "ستدمر كليا" كوريا الشمالية إذا إستمرت في تطوير برنامجها النووي.

لقد هاجم ترامب أيضا بشده في الخطاب نفسه الإتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل اليه سنة 2015  و بينما كان ترامب يتحدث كان رئيس الموظفين لديه وهو الجنرال المتقاعد في المارينز جون كيلي الذي عين في يوليو من أجل إحلال النظام و نشر درجة من الإستقرار في معسكر ترامب في البيت الأبيض جالسا و رأسه في يديه وكأنه في حالة صدمة أو يأس.

إن من الممكن ان العديد من الأمريكيين قد فقدوا الشعور بالحساسية من خطب ترامب الغاضبة بعد أن تحملوا لشهور  هجماته  من خلال تويتر في أوقات متأخره من الليل على الصحافة وعلى معارضيه وعلى زملائه الجمهوريين وحتى على أعضاء حكومته مما يعني بأن ترامب الذي عادة لا يتحمل الانتقادات يمكن ان ينتقم اذا تم استفزازه أو اهانته.

ولكن على عكس العديد من تصريحات ترامب السابقة غير المترابطة فلقد قام بقراءة خطاب الأمم المتحدة من خلال جهاز تلقين مما يعني أنه قد تم التحقق من الخطاب قبل ان يقوم بقراءته. إن أولئك الذين يعتقدون أن "الكبار" في إدارة ترامب وهم كيلي و وزير الدفاع جيم ماتيس و مستشار الأمن القومي هربرت ريمون ماكماستر سوف يعملون على بقاء إستراتيجية الأمن الأمريكية في حدود العقل والمنطق  بحاجه لاعادة التفكير بذلك.

و لعل الجزء الأكثر جنونا من ذلك كله هو حسابات ترامب الظاهره بإن ملك كوريا الشمالية الصغير كيم جونغ-أون قد يتراجع في مواجهة تهديداته فبعد أن اطلق الرئيس رونالد ريغان على الإتحاد السوفياتي لقب "إمبراطورية الشر" في عام 1983 تم توجيه النصح له بعدم تكرار ذلك من أجل تحسين العلاقة الثنائية وكون ريغان يدرك إهمية هذا التحسن للتخفيف من التهديد النووي فلقد اتبع نصيحة مستشاريه و لا يمكن أن يقال نفس الشيء عن ترامب الذي من المؤكد أنه قد تم تحذيره من مخاطر إلقاء الشتائم مثل "رجل الصاروخ" على كيم المتوحش وعديم الخبرة.

عندما تبنى نيكسون شخصيته "المجنونة" كان يحتذي الى حد ما بنيكيتا خروتشوف و هو جدي وخصم نيكسون خلال فترة ولايته كنائب للرئيس الأمريكي و في ما يسمى "بمناقشة المطبخ" سنة 1959 - واحدة من اللحظات الغريبة في الحرب الباردة- فقد تشاحن نيكسون مع خروتشوف في موسكو فيما يتعلق بتفوق الرأسمالية على الإشتراكية.

لقد ظهر خروتشوف بعد ذلك بعام في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بشكل مسرحي وقام الزعيم الثوري الجديد في كوبا فيدل كاسترو كما كان متعودا بإصدار تهديدات مبالغ بها بطريقة استعراضية وحتى لا يتم التغلب عليه فلقد استغل"اعصار نيكيتا "كل فرصة متاحة لاثارة الجدل الدبلوماسي مع التلويح بقضبته وحتى ما زعم عن وضعه للحذاء على الطاولة.

لقد كانت هناك أدلة كثيرة على أن القوى الغربية كانت تحاول خداع الإتحاد السوفيتي فلقد تم إسقاط طائرة إستطلاع من طراز يو - 2، والتي انكر الرئيس دوايت أيزنهاور وجودها فوق الأراضي السوفياتية وعلاوة على ذلك طالبت الولايات المتحدة الإتحاد السوفيتي بإحترام عقيدة مونرو التي خصصت أمريكا اللاتينية للنفوذ الأمريكي ولكنها لم تكن راغبة في قبول الهيمنة السوفياتية في أوروبا الشرقية ورفضت على الفور خطة نزع السلاح التي بدأها الإتحاد السوفييتي وهي أول محاولة رسمية للتعايش السلمي .

إعتقد خروتشوف بأن الغرب لم يأخذه على محمل الجد هذا يفسر تصرفاته الطائشه في الأمم المتحدة  و قد شرح خروتشوف في وقت لاحق بأنه تصرف كما كان سيتصرف البلاشفة الاوائل فعندما لا تتفق مع الخصم يجب أن تقدم حجتك بوضوح وبصوت عال بالاضافة الى التشويش على ارائهم.

في عام 1962 أخذ خروتشوف هذا النهج إلى ما ابعد من ذلك عندما قام بإختبار الرئيس الشاب جون فيتزجيرالد كينيدي  وذلك من خلال خطة مجنونة لنشر صواريخ نووية في كوبا وأثارت هذه الخطوة أزمة الصواريخ الكوبية وهي أخطر مواجهات الحرب الباردة ولكن جون فيتزجيرالد كينيدي لم ينكمش خوفا، كما أنه لم يرد بعنف وبدلا من ذلك، تجاهل بذكاء تهديدات خروتشوف ورد على رسالة أظهرت رئيس الوزراء السوفياتي كزعيم عقلاني يتفاوض من أجل المساواة في الشؤون العالمية وتلك الحسابات الباردة التي تدل على رباطة الجأش مكنت جون فيتزجيرالد كينيدي وخروتشوف من نزع فتيل التوترات وإنقاذ العالم من الصراع النووي.

يجب على العالم الآن أن يأمل أن ترامب يمكن أن يبدأ في التصرف بهدوء في تقييم كيم كما كان جون فيتزجيرالد كينيدي يتعامل مع خروتشوف و قد رد كيم على خطاب ترامب في الأمم المتحدة من خلال وصفه لترامب بأنه "مختل عقليا" و "خرف" و هذا يعني إما نجاح تمثيل ترامب لشخصية الرجل المجنون أو أن كيم قد أصاب كبد الحقيقة بشكل لا يتصوره احد.

http://prosyn.org/MGw46EL/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now