11

الدين القومي والنظام العالمي

برينستون ــ مع قدوم العام الجديد، تدل كل المؤشرات على إعادة صياغة النظام العالمي. فقد نُصِب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وألقى الرئيس الصيني شي جين بينج  في دافوس خطابا دافع فيه عن العولمة، وعقد قادة اليمين المتطرف مثل ماري لوبان وخيرت فيلدرز "قمة أوروبية بديلة" في مدينة كوبلنز الألمانية.

وبينما تولى ترامب وحلفاؤه الشعبيون في أوروبا التنديد بالعولمة، يقف شي جين بينج الآن كمدافع رئيسي عنها. بيد أن رسالة ترامب بشكل خاص هي التي تتسم بالتناقض: فالتبني الصارم للمصالح الاقتصادية الوطنية قد يتطلب قدرا أقل من التعاون الدولي، بينما يتطلب تعزيز الأمن قدرا أكبر من هذا التعاون.

وتردد في خطاب تنصيب ترامب المفعم بالروح القومية صدى الانعزالية التي روج لها الطيار العنصري تشارلز ليندبيرج الذي، بوصفه متحدثا باسم لجنة أمريكا أولا، مارس ضغوطا لتحييد الولايات المتحدة وإبعادها عن خوض غمار الحرب العالمية الثانية. والآن يتخلى ترامب، الذي يُحَمِّل القيادات السابقة للولايات المتحدة مسئولية الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها كثير من الأمريكيين، عن الدور التاريخي للبلاد في تشييد وصيانة النظام العالمي بعد الحرب العالمية. وبينما لا يعد اعتراض ترامب على "أميركا الكوكبية" ظاهرة جديدة، فسماع هذا الاعتراض من رئيس الولايات المتحدة هو بالتأكيد الجديد في الأمر.

وتعد سياسات الدين المحور الذي تقوم عليه رؤية ترامب. فبعد أن أدار أعمال عقارية ضخمة ممولة بالديون، يدفعه حدسه الآن للاعتقاد بإمكانية استخدام إعادة التفاوض على الدين لاستعادة أمريكا ما يُفْتَرَض أن "بلدان أخرى" انتزعته منها. وينصب تركيزه في هذا الصدد على الصين وألمانيا، لأن كلا منهما تحتفظ بفوائض ضخمة للتجارة الثنائية مع الولايات المتحدة ــ بإجمالي 366 مليار دولار أمريكي و74 مليار دولار أمريكي على التوالي عام 2015. وقبل تنصيبه مباشرة أشار ترامب إلى أنه قد يفرض تعريفة جمركية مرتفعة على السيارات الألمانية المستوردة، مشددا بشكل خاص على سيارات بي إم دبليو.

فبفوائض الحساب الجاري المتراكمة لديهما، تمكن البلدان من رفع مطالبات عديدة في وجه الولايات المتحدة اتخذت بالنسبة للصين شكل دين حكومي وبالنسبة لألمانيا تشكيلة واسعة من الأصول المتحولة إلى أوراق مالية. وبينما يتراجع الآن بسرعة احتياطي النقد الأجنبي لدى الصين ويرتفع لدى ألمانيا، إلا أنه في كلتا الحالتين، ربما يتسبب القضاء فورا على العجز الأمريكي في ميزان التجارة الثنائية في جعل أمريكا ببساطة أفقر، الأمر الذي لا تختلف نتائجه عن النتائج التي قد يتمخض عنها قيام اليونان فجأة بالقضاء على عجزها التجاري الضخم مع باقي بلدان أوروبا.

ولقد حاول صُناع السياسة الأمريكية في الماضي خلق فرص عمل محلية عن طريق إجبار البلدان ذات الفوائض التجارية على تحمل عجز الميزانية أو تخفيف سياستها النقدية على نحو يمكنها من النمو بوتيرة أسرع وشراء المزيد من البضائع الأمريكية. وتبني الرئيسان الأمريكيان السابقان جيمي كارتر ورونالد ريجان هذا النهج في أواخر سبعينيات القرن العشرين وطوال ثمانينيات القرن، وفعل الرئيس باراك أوبام�� نفس الشيء مرة أخرى في خضم أزمة اليورو التي بدأت عام 2009.

ذلك هو الشكل الكلاسيكي لضبط وتعديل النظام الاقتصادي العالمي، ولقد تبنت الإدارات الأمريكية السابقة هذا النهج بتطبيق ضغط ثنائي وبالعمل من خلال المؤسسات الدولية مثل مجموعة الدول السبع وصندوق النقد الدولي. بيد أن المفاوضات التي جرت بهذا الشأن كانت تتمخض دائما عن نتائج مختلطة نوعا ما، وحتما لم يكن أي من الأطراف راضيا، وكان يُنظر للعملية باعتبارها معيبة.

ويعتقد ترامب أن هذه العملية القديمة فشلت لأن الدول ذات الفائض التجاري كانت تلجأ للخداع. ووفقا لوجهة النظر هذه، تعمدت الصين تخفيض سعر عملتها في السنوات السابقة على 2015، وقدمت الدعم للشركات الصينية وقيدت حقوق الملكية الأجنبية، بينما تلاعبت ألمانيا بالمثل بعُمْلتها، في البداية في إطار نظام سعر الصرف الثابت للعملة بعد عام 1979، ومن ثم من خلال منطقة اليورو بعد عام 1999. وهكذا يستنتج ترامب أن الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو ما هما إلا مجرد آليات لحماية مصالح ألمانيا وتوسيع النفوذ الألماني.

وهناك نوعان من البدائل لنهج التكيف الكلاسيكي هذا، والخيار الأول والأكثر قبولا هو عقد صفقات ثنائية، وهناك بعض السوابق التاريخية لهذا الخيار مثلما حدث حين وافقت اليابان "طواعية" في ثمانينيات القرن المنصرم على تقليص عدد السيارات اليابانية التي تباع في الولايات المتحدة. وهكذا أوقفت اليابان بيع السيارات الرخيصة وانتقلت بسرعة إلى أعلى سلسلة القيمة.

ثم هناك البديل الأكثر راديكالية. فقد يتبنى ترامب النسخة القومية لما يُعتبر عادة مطلبا يساريا: شطب الدين. وقد يترتب على تفكيره الاستراتيجي هذا إبقاء الصين على مستويات عالية من الدين الداخلي، وتَفَجُر قضايا الديون التي لم تحل بعد في منطقة اليورو.

أثار لقاء رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي مع ترامب في واشنطن العاصمة في 27 يناير/كانون ثاني ردود فعل ساخنة حول عقد اتفاقية أمن جديدة تقوم على أساس "الرأسمالية الأنجلو-أمريكية". كان النموذج القديم للرأسمالية الأنجلو-أمريكية قائما على التصنيع، بينما اعتمد النموذج الجديد على الدين ــ وبشكل خاص في مجال ملكية المنازل ــ حفاظا على معايير الاستهلاك وارتفاع مستويات المعيشة.

ويمكن لحكومة ماي القيام بدور حاسم في عملية إعادة الترتيب الجارية للنظام العالمي، ولكن بينما أشارت ماي إلى أن المملكة المتحدة ستتبنى نهجا صارما فيما يتعلق بالخروج من الاتحاد الأوروبي ــ أي الانفصال الذي لا لبس فيه عن الاتحاد الأوروبي ــ فقد أكدت أيضا على أهمية كل من الاتحاد الأوروبي والناتو للإطار الأمني الأوروبي والعالمي.

إذا تمكنت ماي من إقناع ترامب بأن الأمن أكثر أهمية من المقامرة على الدين، فقد تتمكن من تقويض جزء محوري من استراتيجيته المحلية الطابع فتنقذ بذلك ما تبقى من الروح القديمة للدفاع المشترك. ويجدر بنا تذكر أن الرئيس الوحيد الآخر للولايات المتحدة الذي روج لعبارة "أمريكا أولا" كان وودرو ويلسون الذي سعى حتى رحيله لبناء نظام عالمي دقيق قائم على الأمن والتعاون المشترك.

 ترجمة: عزة الخميسي          Translated by: Azza Alkhamissy