THIERRY ROGE/AFP/Getty Images

أوروبا لنفسها

برلين – دونالد ترامب هو أول رئيس أمريكي يظن أن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يحد من مصالح هذه الاخيرة. ورغم أن النظام الحالي يصب في مصلحة الولايات المتحدة الامريكية، فترامب مقتنع أن  الصين هي من يستفيد من هذا النظام أكثر. وخوفا من ان يكون نجاح الصين قطبا آخر للقوة العالمية، أطلق ترامب مشروعا  يهدف من خلاله إلى تدمير النظام القديم بشكل مبدع وخلق نظام جديد يناسب الولايات المتحدة أكثر من قبل.

ويسعى ترامب إلى تحقيق هذا المبتغى من خلال  إقامة علاقات ثنائية مع الدول، وبالتالي، التفاوض انطلاقا من موقف القوة على الدوام.  فقد أبان ترامب عن ازدراءه للحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الامريكية، الذين يتهمهم بالانتهازية، وعرقلة محاولاته للفوز بالمركز الأول. وعلاوة على ذلك، لا يستطيع ترامب تحمل المنظمات المتعددة الاطراف التي تدعم الدول الأصغر والأضعف ضد الولايات المتحدة الامريكية.  

 وتمجيدا ا لاستراتيجية "أمريكا أولا"، أمضى ترامب فترته الرئاسية في ازدراء  مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية، والتخلي عن اتفاقيات متعددة الأطراف مثل  الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، واتفاق إيران النووي، واتفاق المناخ بباريس.  ولان ترامب استطاع الدخول بسرعة في مشاجرات جديدة، حاولت  دول أخرى بجهد التأقلم  مع هذا الوضع، فما بالك تشكيل تحالفات قوية ضده.

وخلال الأسابيع الأخيرة الماضية، ركز دونالد ترامب انظاره مباشرة على الاتحاد الاوروبي. وكما لاحظ  مؤخرا إيفان كراستيف من معهد العلوم الإنسانية ، فالاتحاد الاوروبي يواجه إمكانية تحوله إلى "حارس الوضع الراهن الذي لم يعد موجودا." وبصفتي مناصرا للتعاون الأطلسي والتعاون الثلاثي الأطراف، يؤلمني الاعتراف انه على حق. لقد حان الوقت أن تحدد اوروبا مصالحها من جديد، وخلق استراتيجية جديدة للدفاع عن تلك المصالح.

أولا وقبل كل شيء، سيكون إلزاميا على الاوروبيين  البدء في تحديد مصيرهم بأنفسهم  بدل الخضوع للسياسات الامريكية الخارجية. فالاتحاد الأوروبي له مصلحة في الإبقاء على النظام المبني على القوانين والذي يأمل ترامب تدميره، وفي المحافظة على مصالحها بخصوص الشرق الاوسط- خاصة تركيا- وحتى روسيا بدأت تنحرف أكثر فأكثر عن مصالح الولايات المتحدة الامريكية.  وينبغي على الاوروبيين طبعا أن يحاولوا العمل مع الولايات المتحدة الأمريكية قدر الإمكان، لكن ليس على حساب مصالحهم.  

ويتعين  على أوروبا الاستثمار في استقلالها العسكري والاقتصادي أيضا -ليس المقصود هنا ان تقطع علاقات التعاون مع الولايات المتحدة الامريكية ، ولكن ان تحمي نفسها ضد تخلي أميركيا عن التزاماتها. ولحسن الحظ، بدأت محادثات مثمرة  في العواصم الاوروبية  بشأن  الرفع من مستوى الدفاع الوطني من خلال إنفاق نسبة  2 %  على الاكثر من الناتج المحلي الإجمالي، وكان إطار العمل للتعاون المهيكل و الدائم للاتحاد الاوروبي و  مبادرة تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمثابة خطوتين  وضعتا في المسار الصحيح. والسؤال الذي يبقى مطروحا  الآن هو  إن كان من الممكن تمديد القوات  النووية والعسكرية لفرنسا لتكون رادعا جديرا بالثقة بالنسبة لباقي دول الاتحاد الاوروبي.  

Subscribe now

Long reads, book reviews, exclusive interviews, full access to the Big Picture, unlimited archive access, and our annual Year Ahead magazine.

Learn More

وفي الجانب الاقتصادي، فإن أوروبا تعيش في حيرة من امرها كونها تعطي أولوية لقيمها على حساب مصالحها الاقتصادية.  ووصف وزير الشؤون الخارجية البلجيكي السابق مارك إيسكينز أوروبا ذات مرة على انها "عملاق اقتصادي، وقزم سياسي ،ودودة عسكرية" ولكن أوروبا قد تصبح دودة اقتصادية اليوم ايضا. فاحتمال ان تصدر الولايات المتحدة الامريكية تهديديات بفرض عقوبات ثانوية على الشركات الاوروبية إثر  تعاونها التجاري مع إيران أمر مقلق جدا. فرغم ان الاتحاد الأوروبي يدافع عن  القانون الدولي ، فإنه يبقى تحت رحمة نظام الدولار.

وينبغي على الاتحاد الاوروبي ان يفكر في المستقبل وان يعزز قدراته على التأثير على القوى العظمى مثل الصين والولايات المتحدة الامريكية. فإذا اراد ترامب أن يجعل من العلاقات العابرة للمحيط صفقات تجارية، ينبغي على الاتحاد الاوروبي ان يتعاون تجاريا مع دول اخرى من اجل عقد صفقات  معها. لناخذ بعين الاعتبار طلب إدارة الدفاع الامريكية من المملكة المتحدة إرسال قوات هذه الاخيرة  إلى أفغانستان. فلو اعتمد الاتحاد الاوروبي مقاربة اكثر قوة، لرفض اي تعاون عسكري مع الولايات المتحدة الامريكية حتى تتخلى هذه الاخيرة عن تهديداتها  بفرض عقوبات ثانوية على الشركات الاوروبية.    

وعلاوة على ذلك، ينبغي على اوروبا خلق استراتيجية  سياسية تدعم بها  الدول الاخرى. إذ من المفروض ان تقود مجموعة ج 7 الغرب، ولكن قمتها الاخيرة في كيبيك كشفت عن خلل يعرقلها. وكانت تصرفات ترامب صادمة لدرجة ان بعض المسؤولين الأوروبيين رفيعي المستوى يتساءلون اليوم عما  إذا كان على حلفاء امريكا تشكيل حلف متوسط القوة ومستقل، لتفادي قوة الصين الساحقة وتراجع القوة الامريكية. وفي عالم يعتمد على الصفقات اكثر فاكثر، قد تدافع مجموعة ج6  على النظام المبني على القوانين.

وبالرغم من هذا، يتساءل البعض عما إذا كان الاتحاد الاوروبي قادر على بناء جبهة متحدة. إذ مع انقسام الاتحاد الاوروبي إلى فرق سياسية منفردة، أصبح من السهل على القوى الاخرى ان تستمر في استراتيجية فرق-تسود التي طالما نهجتها روسيا، وتعتمدها الصين والولايات المتحدة اليوم. فمثلا، في عام 2016، تمكنت الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي التي تعتمد على الاستثمار الصيني من تلطيف تصريح اصدره الاتحاد الاوروبي بشان تدخل الصين في بحر جنوب الصين.

وينهج ترامب نفس الاستراتيجية. إذ يحاول باستمرار التدخل في قرارات دول شرق وجنوب اوروبا داخل الاتحاد الاوروبي لزرع الفتنة بينهم. فمثلا ، أوضح مسؤولون في الوزارة الخارجية الامريكية لرومانيا مرارا وتكرارا ان الولايات المتحدة الأمريكية لن تتهمها باختراق القوانينين إذا اختلفت مع الاتحاد الاوروبي ونقلت سفارتها في إسرائيل إلى القدس.  ونظرا  لتوتر العلاقات الأمريكية الاوروبية ، ستكون إدارة ترامب أكثر استعدادا للاستعمال مثل هذه  الاستراتيجية.

ليس واضحا بعد كيف ستكون ردة فعل الاتحاد الاوروبي. فقد يجبر الدول التي تخترق القوانينين بشأن السياسة الخارجية على دفع الثمن باهضا، أو يستثمر أكثر في الامن لجعل الدول التي تتمركز في هامش الاتحاد الاوروبي يشعرون ان لديهم شيء يفقدونه إذا أضعفوا التناسق الاوروبي.  وقد يعقد الاتحاد الاوروبي بنفسه اتفاقا مع الدول الاعضاء، يستمر بموجبه في القضايا السياسية الخارجية بسهولة مقابل التعاون بشأن السياسة الخارجية.

وكيفما كان القرار، ينبغي على الاتحاد الاوروبي رسم خارطة طريق جديدة. فعوض أن تتحمل مواجهات ترامب  التي دائما تفاجئها وتغضبها، ينبغي على الاوروبيين بناء سياسة خارجية خاصة بها ليتمكنوا  من مواجهته.

ترجمة نعيمة أبروش

http://prosyn.org/MQ3VupH/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.