15

طريق الاتحاد الأوروبي إلى روما

مدريد ــ في نهاية هذا الشهر، يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي (باستثناء رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي) في إيطاليا للاحتفال بالذكرى الستين لإبرام معاهدة روما. تُعَد الاحتفالات بالذكرى السنوية دائما ذريعة جيدة لتهنئة الذات، ويشير الخطاب الذي يملأ أجواء التحضير لقمة روما إلى أن هذا الاحتفال لن يختلف كثيرا. ولكن ينبغي لقادة الاتحاد الأوروبي أيضا أن يستغلوا هذه الذكرى السنوية كفرصة للتأمل العميق في المشروع الذي يحتفلون به.

يقف الاتحاد الأوروبي الآن عند مفترق طرق. فلم تبدأ المملكة المتحدة عملية الانسحاب رسميا حتى الآن، ومع ذلك تسبب الخروج البريطاني بالفعل في هدم أحد الافتراضات التأسيسية للمشروع الأوروبي: وهو أن التكامل سوف يتحرك دوما إلى الأمام مهما كانت سرعة التقدم بطيئة. والآن تهدد الشعبوية القومية الصاعدة بإهدار ستة عقود من التقدم.

وربما يكون الاحتفال بالوحدة الأوروبية اللحظة المثالية لمواجهة الحقيقة الصعبة المتمثلة في الانقسام، ورسم الطريق إلى الأمام. ولكن الصدق، والوعي الذاتي، والرؤية الواضحة اللازمة لاستخدام قمة روما على هذا النحو ليست سمات طبيعية تتوفر في قادة الاتحاد الأوروبي، الذين تفوقوا ببراعة شديدة في الخطاب السياسي المتعالي وليس في التوصل إلى الحلول العملية.

لا شك أن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر حاول تعزيز هذا الحل. يحدد "التقرير الرسمي حول مستقبل أوروبا"، الصادر عن المفوضية مؤخرا، خمسة مسارات محتملة إلى الأمام في أوروبا، من تضييق تركيز الاتحاد الأوروبي في السوق الموحدة إلى تعميق وتوسيع التكامل. كما يتضمن التقرير الاقتراح الذي يبدو حتميا والمتمثل في بناء أوروبا متعددة السرعات.

يحدد التقرير جدولا زمنية مدته عشرة أشهر للمناقشة والتأمل، على أن يتوج هذا باجتماع المجلس الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول، حيث يتخذ قادة أوروبا القرار بشأن الاتجاه الواجب اتخاذه. وسوف يُطرَح النهج الجديد قبيل الانتخابات الأوروبية في عام 2019. ويبدو كل شيء مرتبا بدقة شديدة.

وقد بدأت الدول الأوروبية الأعضاء تشارك في إطار يونكر بالفعل. ففي اجتماع دار في فيرساي، أيدت الاقتصادات الأربعة الأكبر في الاتحاد الأوروبي ــ ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأسبانيا ــ نهجا متعدد السرعات من شأنه أن يضعها في موضع القلب الموحد. وقاومت مجموعة فيسيجراد (جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوفاكيا) هذه الفكرة، خشية أن تتخلف عن الركب. وتساور الشكوك دول البنلوكس (بلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورج) حول هذا الترتيب، الذي يقضي باستبعادها من اتخاذ بعض القرارات، ويترك ألمانيا بوصفها البلد الوحيد الدائن في مجموعة القلب.

وعلى هذا فإن المناقشة حول مستقبل أوروبا تتسم بالقوة والنشاط، تماما كما كان يونكر يأمل. ولكنها تخطئ الهدف المنشود، فتذهب بعيدا ولكن ليس إلى الحد الكافي، لسبب بسيط: فهي لا تقوم على الفحص الذاتي الصريح والشامل. وبدلا من إعادة ترتيب المقاعد على سطح التيتانيك، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع الأسباب التي تدفع السفينة إلى الغرق.

ولكن بالإضافة إلى الانتباه إلى الفجوة بين توقعات عامة الناس وقدرة الاتحاد الأوروبي (وسلطته) على التحرك، لا يتضمن التقرير الرسمي أي استبطان أو فحص للذات تقريبا. أما الأسئلة الحيوية ــ حول أداء المفوضية، وبنية هيئة المفوضين، والأمر الأكثر أهمية، التوازن بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي ــ فقد جرى التغطية عليها أو تجاهلها.

يتمثل أحد الأسئلة الجوهرية التي أغفلها التقرير في الكيفية التي يجب بها توزيع السلطة داخل الاتحاد الأوروبي. وهنا، لن يجد الاتحاد الأوروبي خمسة خيارات، بل اثنين: الأول عابر للحدود الوطنية، والثاني بين الحكومات. وسوف يشكل النهج المختار بنية الاتحاد ونطاق أنشطته.

وسوف يتطلب الاختيار قيام قادة الاتحاد الأوروبي أولا بتقييم موقف الاتحاد الأوروبي الآن، بكل صدق وشجاعة. كما يتعين عليهم أن يكونوا على استعداد لتسمية الأشياء بمسمياتها ــ أو في حالتنا هذه، تسمية الاتحاد الأوروبي منظمة بين حكومية في ملابس عبر وطنية. وبعد أن يدركوا أن هذه البنية مختلة وظيفيا ــ لأنها تسمح لمؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بالتهرب من المسؤولية من خلال توجيه أصابع الاتهام إلى بعضها بعضا بلا انقطاع ــ يُصبح بوسعهم آنئذ فقط تنفيذ عملية إعادة التوازن المطلوبة.

يوفر النهج عبر الوطني الحقيقي سقفا أعلى للتعاون، ولكنه أيضا أكثر خطورة. وإذا اختارت أوروبا هذا النهج، فلن يكون بوسعها أن تعتمد على التدابير غير المكتملة. بل يتعين عليها أن تتخذ خطوات حقيقية نحو المواءمة بين السلطة والمسؤولية على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتمكين البرلمان الأوروبي ومنح المفوضية الشرعية السياسية، فضلا عن تحميلها المزيد من المسؤولية. ولكن لا أحد تقريبا يراهن عل هذا المسار إلى الأمام.

أما عن النهج بين الحكومي، فلابد أن يكون من الواضح الآن أن هذا الاختيار يعني في الأساس اتحادا تقوده ألمانيا، على الأقل في المستقبل المنظور. ولا يختلف هذا كثيرا عن الموقف الحالي، حيث ينبغي لأي قرار مهم أن يحظى بمباركة ألمانيا. وفي عالَم اليوم الذي يتسم بتكاثر الخصومات والمشاكسات، فقد لا تكون هذه طريقة سيئة للمضي قدما.

ويصدق هذا بشكل خاص إذا تمكنت أنجيلا ميركل من البقاء كمستشارة لألمانيا بعد سبتمبر/أيلول. لقد تمكنت ميركل من توطيد أسلوبها القيادي الفريد الذي قد تستفيد منه أوروبا تحت الضغوط من كافة الجوانب، وإن كان أسلوبها يتسم بالتقلب أحيانا. وهذا ليس ما تصوره مؤسسو الاتحاد الأوروبي، ولكنه ناجح، ما دام الأوروبيون يعترفون بأن هذا هو النهج الذي يسلكونه، وما داموا حريصين على تمهيد الأرض للتعاون بدرجة مرتفعة بالقدر المعقول.

أيا كان الطريق الذي تسلكه أوروبا، فإن الخطوة الأولى تتمثل في تحديد المسار الذي تعتزم سلوكه. والأمر ببساطة أن أوروبا لابد أن تقرر ما إذا كانت ستتضافر أو تتعاون. هذا هو ما ينبغي أن يُطرَح على الطاولة.

في مارس/آذار 1957، اعتبر كونراد أديناور روما الخلفية المثالية "لإرساء الأساس لمستقبل أوروبا المشترك". وفي مارس/آذار 2017، تستطيع روما أن تستعيد ذلك الدور. وقد لا تسنح فرص أخرى كثيرة للاتحاد الأوروبي للتأمل في حاضره وتوضيح مستقبله. ولهذا، لا ينبغي له أن يسمح بإهدار هذه الفرصة أبدا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali