77

أحجية التجارة الحرة عبر الباسيفيكي

نيويورك ــ في حين يجتمع المفاوضون والوزراء من الولايات المتحدة وإحدى عشرة دولة أخرى تطل على المحيط الهادئ في أتلانتا في محاولة لوضع اللمسات الأخيرة لتفاصيل الشراكة عبر المحيط الهادئ الشاملة الجديدة، فإن بعض التحليل الرصين يصبح مبرراً بل وواجبا. ذلك أن اتفاقية التجارة والاستثمارية الإقليمية الأكبر على الإطلاق في التاريخ ليست كما تبدو.

سوف تسمع الكثير عن أهمية الشراكة عبر المحيط الهادئ بالنسبة للتجارة الحرة. وحقيقة الأمر هي أن هذه الاتفاقية لإدارة العلاقات التجارية والاستثمارية بين أعضائها ــ والقيام بهذا نيابة عن جماعات الضغط التجارية الأكثر قوة في كل من هذه البلدان. ولا ينبغي لنا أن نخلط الأمور هنا: فمن الواضح من القضايا الرئيسية المعلقة، التي لا يزال المفاوضون يساومون عليها، أن الشراكة عبر المحيط الهادئ ليست حول التجارة "الحرة".

فقد هدَّدت نيوزيلندا بالانسحاب من الاتفاق بسبب الطريقة التي تدير بها كندا والولايات المتحدة التجارة في منتجات الألبان. وأستراليا ليست سعيدة إزاء الكيفية التي تدير بها الولايات المتحدة والمكسيك التجارة في السكر. والولايات المتحدة ليست سعيدة إزاء الكيفية التي تدير بها اليابان التجارة في الأرز. وهذه الصناعات مدعومة بكتل تصويتية كبيرة في بلدانها. وهذا لا يمثل سوى غيض من فيض من حيث الكيفية التي قد تدفع بها الشراكة عبر المحيط الهادئ أجندة تتعارض حقاً مع التجارة الحرة.

ولنتأمل بادئ ذي بدء ما الذي قد يفعله الاتفاق لتوسيع حقوق الملكية لشركات الأدوية الكبرى، كما علمنا من النسخ المسربة من النصوص التفاوضية. تُظهِر البحوث الاقتصادية بوضوح أن الحجة التي تؤكد أن حقوق الملكية الفكرية هذه تشجع البحوث ضعيفة في أفضل تقدير. بل وهناك من الأدلة ما يشير إلى العكس: فعندما أبطلت المحكمة العليا عدداً لا حصر له من براءات الاختراع المرتبطة بالجين BRCA، أدى ذلك إلى موجة من الإبداع أسفرت عن ابتكار فحوصات أفضل وبتكاليف أقل. والواقع أن الفقرات الواردة في اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ من شأنها أن تؤدي إلى تقييد المنافسة المفتوحة وزيادة الأسعار للمستهلكين في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم ــ وهي لعنة بالنسبة للتجارة الحرة.