17

التمرد الديمقراطي لتوني بلير

لندن- إن دعوة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الأخيرة للناخبين للتفكير مجددا فيما يتعلق بالخروج من الإتحاد الأوروبي وجدت صدى لها في النقاشات البرلمانية قبل الإنطلاقة الرسمية لعملية خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي في مارس وهذه الدعوة تشبه قصة الملابس الجديدة للإمبرطور فعلى الرغم من أن بلير هو شخصية لا تتمتع بالشعبية فإن صوته مثل صوت الطفل في قصة هانس كريتسيان أندرسون عالي لدرجة أنه يعلو على صوت عصبة المتملقين الذين يطمئنون رئيسة الوزراء تيريزا ماي بإن مقامرتها العارية بمستقبل بريطانيا هي مقامرة مكسوة بقشرة من التبرج الديمقراطي .

إن أهمية كلمة بلير يمكن قياسها بردة الفعل الهستيرية المبالغ بها لإقتراحه بإعادة فتح الجدل المتعلق بالخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي "بريكست" وحتى من وسائل الإعلام التي من المفترض أن تكون موضوعية فطبقا لهيئة الإذاعة البريطانية " إن دعوة بلير سوف ينظر إليها من قبل البعض على إنها دعوة للتصعيد-تمرد توني بلير المتعلق ببريكست ".

إن طغيان الأغلبية في بريطانيا ما بعد الإستفتاء وصل لدرجة أن مقترح من "أحد دعاة البقاء في الإتحاد الأوروبي" لجدل عقلاني ومحاولة الإقناع يتم إعتباره على إنه تمرد وأي شخص يشكك في سياسة الحكومة المتعلقة ببريكست يتم وصفه بشكل روتيني على أنه "عدو الشعب" والذي ستؤدي خيانته "لسفك الدماء في الشوارع".

ما هو تفسير جنون الشك المفاجىء هذا ؟ ففي واقع الأمر إن المعارضة السياسية هي شرط ضروري لإي ديمقراطية فعالة ولم يكن ليتفاجىء أي شخص لو إستمر المتشككون ببقاء بريطانيا في الإتحاد الأوروبي بمعارضة أوروبا بعد خسارة الإستفتساء كما فعل القوميون الإسكتلنديون والذين إستمروا في حملتهم من إجل الإستقلال حتى بعد هزيمتهم في الإستفتاء من عشر نقاط سنة 2014 كما لا يتوقع أحد أن المعارضين الأمريكيين للرئيس دونالد ترمب سيتوقفون عن المعارضة ويتحدون مع أنصاره.

إن الإختلاف مع بريكست هو أن الإستفتاء في يونيو الماضي نجح في تقويض الديمقراطية البريطانية بأسلوبين ماكرين .أولا، إن مصدر إلهام التصويت على الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي بشكل عام كانت مشاعر إستياء غير مرتبطة بأوروبا . ثانيا ، لقد إستغلت الحكومة هذا الإرتباك المتعلق بالقضايا من أجل الحصول على تفويض لتفعل ما تشاء.

قبل ستة أشهر من الإستفتاء لم يكن الإتحاد الأوروبي بين أهم عشر قضايا تواجه بريطانيا طبقا للناخبين المحتملين فالهجرة لم تكن على رأس تلك القضايا كما أشار بلير في كلمته والمشاعر المعادية للهجرة كانت بشكل عام ضد الهجرة المتعددة الثقافات والتي ليست لها علاقة تذكر بالإتحاد الأوروبي. وعليه كانت إستراتيجة حملة الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي هو أن تفتح الباب لمشاعر الإستياء المتعلقة بإنعدام التوازن الإقليمي وإنعدام المساواة الإقتصادية والقيم الإجتماعية والتغير الثقافي ولفد فشلت حملة البقاء في الإتحاد الأوروبي بشكل كامل في الرد على ذلك لإنها قامت بالتركيز على السؤال الذي كان مطروحا بالفعل في صناديق الإقتراع وتعاملت مع تكاليف وفوائد عضوية الإتحاد الأوروبي.

إن حقيقة أن الإستفتاء لم يكن منظما وضم جميع أصوات الإحتجاج يفسر تأثيره السلبي الثاني من الناحية السياسية فنظرا لإن حملة الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي قد نجحت بالجمع بين مظالم وشكاوى مختلفة تتعامل تيريزا ماي مع الإستفتاء على أنه تفويض مفتوح فعوضا عن الدفاع عن سياسات حزب المحافظين المثيرة للجدل – بما في ذلك التخفيضات الضريبية التجارية ورفع القيود ومشاريع البنية التحتية التي لا تحظى بالشعبية وإصلاحات الضمان الإجتماعي- حسب طبيعة تلك المواضيع ومزاياها ، تقوم ماي الآن بتصوير تلك السياسات كشروط ضرورية من أجل "بريكست ناجح" وأي شخص لا يوافق على ذلك يتم إعتباره على أنه شخص نخبوي متذمر من دعاة بقاء بريطانيا في الإتحاد الأوروبي ويحتقر الناخبين من عامة الشعب .

إن ما يزيد الأمر سوءا هو أن المخاطر الواضحة لبريكست قد خلقت عقلية الحصار فنجاح بريكست قد أصبح مرتبطا بقدرة الأمة على البقاء مما جعل أشد المقترحات إعتدالا من أجل الحد من خيارات الحكومة التفاوضية-على سبيل المثال التصويت البرلماني على ضمان حقوق مواطني الإتحاد الأوروبي الذين يعيشون في بريطانيا- من أعمال التخريب.

وكما هو الحال في أيام الحرب فإن أي إنتقاد يصبح خيانة وهذا يفسر قيام حزب المعارضة الرئيسي –حزب العمال- بالتعاون من أجل إحباط جميع الجهود البرلمانية لمحاولة تلطيف خطط ماي المتشدة لبريكست حتى فيما يتعلق بالمواضيع التي ليست موضع جدل رئيسي مثل السفر بدون تأشيرة وفحص الأدوية والتمويل لإغراض علمية كما إن المطالبات الأكثر طموحا من أحزاب المعارضة البريطانية الأصغر من أجل إستفتاء ثاني على صفقة الخروج النهائية لم تنجح حتى بين أشد المناصرين لإوروبا حيث شعر هولاء بالخوف والتهديد من الجو الترهيبي ضد أنصار البقاء في الإتحاد الأوروبي من غير النادمين .

إن السير أيفان روجرز والذي إضطر للإستقالة في الشهر الماضي كممثل بريطانيا الدائم للإتحاد الأوروبي لأنه شكك في النهج التفاوضي لماي توقع هذا الأسبوع إنفصال "بشع ومرير وملتوي" بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي ولكن هذا السيناريو ليس حتميا فهناك إحتمالية بناءه أكثر قد بدأت في الظهور الآن تشبه طرح بلير فعوضا عن محاولة التأثير على موقف ماي المتشدد في المفاوضات من غير تحقيق نجاح يذكر ،يجب أن تكون الأولوية الجديدة هي إعادة إطلاق جدل عقلاني يتعلق بعلاقة بريطانيا مع أوروبا وإقناع العامة بإن هذا الجدل هو من الأمور المشروعة ديمقراطيا.

إن هذا يعني تحدي فكرة أن الإستفتاء يتفوق بشكل دائم على جميع الآليات الأخرى للسياسات الديمقراطية وإقناع الناخبين بإن تفويض الإستفتاء يشير إلى سؤال محدد في ظروف محددة في وقت محدد. لو تغيرت الظروف أو إكتسب سؤال الإستفتاء معنى مختلف ،يجب السماح للناخبين بتغيير رأيهم .

إن عملية إستعادة الفهم الحقيقي للديمقراطية يمكن أن تبدأ ضمن الأسابيع القليلة القادمة والحافز سيكون تعديلات في تشريع بريكست الذي يتم مناقشته حاليا في البرلمان والهدف هو منع سريان مفعول أي علاقة جديدة بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي ما لم يتم إعتمادها من خلال تصويت برلماني يسمح بإحتمالية الإستمرار بعضوية الإتحاد الأوروبي. إن مثل هذا التعديل سيجعل الوضع القائم هو الخيار الآخر لو فشلت الحكومة في إقناع البرلمان بالترتيبات الجديدة التي يتم التفاوض عليها خلال العامين القادمين وهذا يعني تجنب خيار هوبسون الذي تقترحه الحكومة الآن وهو إما قبول أي صفقة نقوم بطرحها أو الخروج من الإتحاد الأوروبي بدون الإتفاق على أية علاقة على الأطلاق.

إن السماح للبرلمان بإتخاذ قرار فيما يتعلق بالعلاقة الجديدة مع أوروبا عوضا عن ترك الموضوع بشكل كامل لماي سوف يستعيد مبدأ السيادة البرلمانية والأهم من ذلك فإنه سوف يشّرع جدل سياسي جديد في بريطانيا عن التكاليف الحقيقية وفوائد عضوية الإتحاد الأوروبي وربما يقود لإستفتاء ثاني فيما يتعلق بخطط الحكومة لبريكست.

ولهذا السبب بالتحديد تعارض ماي بشدة إعطاء البرلمان أي صوت ذو معنى فيما يتعلق بنتيجة مفاوضات البريكست حيث نفترض أنها ستعيق ضم أي من تلك المتطلبات لتشريع بريكست في مارس ولكن هذا قد لا يهم فلو تم إعادة بدء جدل حقيقي يتعلق ببريكست فإن الديمقراطية ستمنعها من إنهاءه .