7

التبت بعد الدالاي لاما

نيودلهي ــ في العيد الثمانين لميلاد الدالاي لاما الرابع عشر، الذي كان في منفاه في الهند منذ عام 1959، يبدو مستقبل التبت أكثر غموضاً من أي وقت مضى. خلال ولايته، رأي الدالاي لاماً الحالي وطنه ــ أكبر وأعلى هضبة في العالم ــ يفقد استقلاله لصالح الصين. ومن المرجح، بمجرد وفاته، أن تنصب الصين دمية خلفاً له، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تآكل هذه المؤسسة.

الواقع أن الصين عينت بالفعل بيدقها في ثاني أعلى منصب في البوذية التبتية، البانتشن لاما، عام 1995، بعد اختطاف المعين البالغ من العمر ست سنوات، الذي كان الدالاي لاما قد ثبته للتو. وبعد مرور عشرين عاما، يُعَد البانتشن لاما الشرعي بين السجناء السياسيين الأطول احتجازاً في العالم. كما عينت الصين ثالث أعلى شخصية دينية لدى التبتيين، كارمابا؛ ولكنه في عام 1999، عندما كان عمره أربعة عشر عاما، فَرّ إلى الهند.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

ويصادف هذا العام ذكرى سنوية أخرى ذات أهمية في التبت: الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس ما تسميه الصين "منطقة التبت الذاتية الحكم". وهو اسم مضلل إلى حد كبير. فالحقيقة أن التبت تحكمها الصين، هذا فضلاً عن دمج أراضيها التاريخية في مقاطعات صينية أخرى.

بعد احتلالها للتبت في الفترة 1950-1951، عملت الصين على توسيع أراضيها بأكثر من الثلث، وأدخلت بذلك تغييراً جوهرياً على المشهد الجيوستراتيجي في آسيا. فقد أصبحت الصين جارة للهند، ونيبال، وبوتان، وفرضت سيطرتها على شبكات الأنهار الرئيسية في المنطقة. إن الأنهار التي تنبع في التبت الغنية بالمياه تشكل أهمية بالغة في دعم البلدين الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، الصين والهند، فضلاً عن قوس البلدان الذي يمتد من أفغانستان إلى فيتنام.

من منظور الصين، يبدو أن الاستيلاء على مؤسسة الدالاي لاما البالغة من العمر 437 عاماً الخطوة الأخيرة في تأمين قبضتها على التبت. فمنذ فراره إلى الهند، كان الدالاي لاما ــ الزعيم السياسي والروحي الشرعي للتبت (وإن كان تخلى عن دوره السياسي لحكومة منتخبة ديمقراطياً في المنفى عام 2011) ــ وجهاً عاماً لمقاومة السيطرة الصينية على التبت. ولكن في السنوات الأخيرة، استخدمت الصين نفوذها المتنامي ــ الذي تدعمه التهديدات بالآلام الدبلوماسية والاقتصادية ــ لإرغام عدد متزايد من البلدان على عدم استقبال الدالاي لاما، وبالتالي الحد من ظهوره على المستوى الدولي.

وتنتظر حكومة الصين، بعد إصدار مرسوم في عام 2007 يقضي بحظر تجسد كبار اللامات مرة أخرى من دون الحصول على إذن رسمي، وفاة الدالاي لاما الحالي، حتى يتسنى لها أن تمارس سلطتها الخالصة التي نصبتها لنفسها في اختيار خليفته. ويبدو أن قادة الصين لا يبالون بمدى عبثية قيام حكومة ملحدة باختيار زعيم روحي. الواقع أن هذا الأمر أشبه بأن يدّعي موسوليني أنه هو فقط، وليس مجلس الرهبان الكاثوليك، الذي يمكنه تعيين البابا.

وقد ناقش الدالاي المسن علناً مجموعة من الاحتمالات غير التقليدية للمصير الذي ستؤول إليه روحه ــ من التجسد في هيئة امرأة إلى تسمية خليفته وهو لا يزال على قيد الحياة. وعلاوة على ذلك، اقترح أن الدالاي لاما القادم سوف يكون موجوداً في "العالم الحر"، وهو ما يعني ضمناً أنه سوف يتجسد من جديد كمغترب تبتي في المنفى أو في منطقة تاوانج في الهند، حيث ولِد الدالاي لاما السادس في القرن السا��ع عشر.

ودفعت مثل هذه التصريحات الصين إلى الادعاء، منذ عام 2006، بأن كامل ولاية أروناشال براديش تشكل "جنوب التبت"، ثم الضغط على الهند في المفاوضات بشأن حدود الهيمالايا المتنازع عليها منذ فترة طويلة لحملها على التنازل على الأقل عن الجزء من منطقة تاوانج الواقعة في تلك الولاية. ولكن الإعلان الذي كان الأكثر إثارة لغضب الصين هو ذلك الذي صرح به الدالاي لاما في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مقترحاً أنه سيكون الدالاي لاما الأخير.

والصين لديها الكثير من الأسباب التي تجعلها تتوقع رفض التبت المتوترة، التي أعرب شعبها عن ازدرائه للبانتشن لاما الذي عينته الصين والذي يعتبره محتالا، للدالاي لاما الذي قد تختاره. وإذا أصدر الدالاي لاما مبادئ توجيهية واضحة بشأن إعادة تجسده، فسوف يكون أهل التبت أقل ميلاً إلى قبول التعيين من قِبَل الصين. والسؤال هو لماذا تردد الدالاي لاما في القيام بذلك.

ينبع الخطر الأكبر الذي قد يترتب على رحيل الدالاي لاما من المقاومة العنيفة للقمع الصيني في التبت. ووفقاً للوضع الحالي فإن التزام الدالاي لاما بنبذ العنف والمصالحة ــ والذي تمثل في نهج "الطريق الوسط"، الذي يهدف إلى تمكين التبت من الحصول على الحكم الذاتي، ولكن ليس الاستقلال ــ يساعد في ضمان أن مقاومة التبت للحكم الصيني سوف تظل سلمية وتتجنب النزعة الانفصالية الصريحة.

الواقع أنه على مدى السنوات الستين الماضية، كان أهل التبت يتبنون حركة مقاومة نموذجية، غير ملوثة بأي صلة بالإرهاب. وحتى بعد أن أصبح قمع الصين للتراث الديني والثقافي واللغوي للتبت شديداً على نحو متزايد. لم يحمل أهل التبت السلاح، بل كانوا يحتجون من خلال التضحية بالنفس كقربان، وهو ما قام به 140 من أهل التبت منذ عام 2009.

ولكن بمجرد رحيل الدالاي لاما الحالي، قد لا يستمر هذا النهج. ذلك أن أهل التبت الأحدث سنا يشعرون بالغضب بالفعل إزاء الأساليب الوحشية التي تنتهجها الصين ــ ناهيك عن الرفض الحاد لمبادرات الدالاي لاما، بما في ذلك في تقرير رسمي أخير. وعلى هذه الخلفية، فإن تعيين الصين لمحتال في منصب الدالاي لاما من الممكن أن ينتهي إلى تحويل الحركة السلمية التي تسعى إلى الحصول على الحكم الذاتي إلى نضال سري عنيف من أجل الاستقلال.

ولأن الدالاي لاما الشرعي طفل صغير، وبالتالي غير قادر على تقديم الزعامة القوية لحركة المقاومة، فإن مثل هذه النتيجة قد تكون أكثر ترجيحا. وقد استغلت الصين هذا الموقف على وجه التحديد، عندما كان الدالاي لاما الحالي في سن خمسة عشر عاماً فقط، لغزو واحتلال التبت.

Fake news or real views Learn More

بعد وفاة الدالاي لاما الثالث عشر في عام 1933، ابتليت التبت التي كانت بلا قيادة بالمكائد السياسية، إلى أن تم تنصيب الدالاي لاما الحالي رسمياً في عام 1950. وأي فراغ قادم في التراتب الهرمي للتبت من الممكن أن يختم على مصير نسب الدالاي لاما ويدفع شعب التبت نحو مستقبل عنيف، وقد تمتد العواقب إلى ما هو أبعد كثيراً من حدود هضبة التبت الشاسعة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali