0

المفكر المختفي

يصادف هذا الربيع مرور مائة عام على مولد اثنين من المفكرين الشاملين، اللذين كانا يعدا من أرباب الفكر الإيديولوجي في عصر الحرب الباردة، رايموند آرون ، و جان بول سارتر . ولِد آرون في 14 سبتمبر 1905، وولد سارتر في 21 يونيو من نفس العام.

بدأ التعارف الذي دام خمسين عاماً بين آرون و سارتر من خلال اشتراكهما في تلقي تربية فرنسية راقية شملت فترة تكوينهما الفكري في ألمانيا قبل صعود النازية مباشرة. ولقد عبر كل منهما بأسلوبه الفريد الفذ عن التناقض الذي أحباه وأبغضاه في المفكرين: كان آرون مغرماً بالليبرالية الأنجلوأميركية قبل أن تصبح حريصة على المعاصرة، أما سارتر فقد ظل متعاطفاً مع الشيوعية حتى بعد أن أصبحت عتيقة الطراز.

كتب آرون نثراً هادئاً مصقولاً عن أشد الصراعات السياسية الجغرافية حرارة، بينما كان بمقدور سارتر أن يحول كل ما هو تافه إلى أزمة وجودية. ومع ذلك فقد وقف الاثنان في مواجهة المؤسسة السياسية الفرنسية. ولقد انضم الاثنان إلى المقاومة حين كانت فرنسا ألعوبة في يد النازي، كما نادى كل منهما باستقلال الجزائر بعد استرداد فرنسا لسيادتها.

ومما يدعو إلى الأسف أن سارتر و آرون قد اشتركا أيضاً في الموت: فقد تعرض كل منهما للتنكر، أو التجاهل، أو الاستخفاف من قِـبَل كافة أوساط فروع المعرفة الأكاديمية ـ الفلسفة، والأدب، وعلم الاجتماع، والسياسة ـ التي قد نرى أن إنتاجهما الغزير قد قدم إليها العديد من الإسهامات. وبعد أن أسكـتـهما الموت أصبحنا نتذكر سارتر و آرون للتوجهات التي أضافها كل منهما إلى كل ما كتب عنه، أكثر مما نذكرهما لما كتباه بالفعل.