4

انتصار السياسة في أوروبا

مدريد ــ إن الاقتصاد ــ والنظريات الاقتصادية خاصة ــ ينتهي دوماً إلى ضرورات سياسية. ولهذا السبب فإن المشهد السياسي السريع التغير في أوروبا، والذي أسهمت موجات التمرد الانتخابي في فرنسا واليونان ضد التقشف المالي المدعوم من قِبَل ألمانيا في إعادة تشكيله، من المحتم أن يؤثر على السياسات الاقتصادية في أوروبا أيضا.

كانت هذه الحقيقة الحتمية سارية وعاملة طيلة تاريخ أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب. والواقع أن تحول أوروبا من الاتحاد الجمركي المتواضع في إطار السوق الأوروبية المشتركة إلى سوق واحدة وعملة واحدة في إطار الاتحاد النقدي الأوروبي اليوم كان في حد ذاته تحركاً سياسياً في الأساس، وهو التحول الذي حمل دلالات استراتيجية بطبيعة الحال. إذ كانت فرنسا راغبة في ترويض القوة الألمانية بتسخيرها لصالح المشروع الأوروبية، وكانت ألمانيا على استعداد للتضحية بالمارك الألماني في سبيل تأمين موافقة فرنسا على ألمانيا الموحدة، كابوس أوروبا في الماضي القريب.

لا شك أن ألمانيا القوية اقتصادياً تشكل أهمية بالغة للمشروع الأوروبي، ولو كان ذلك لمجرد أن التاريخ أثبت مدى خطورة ألمانيا عندما لا تكون سعيدة. والواقع أنه بفضل اليورو ــ والسوق الأوروبية الجاذبة التي صاحبته ــ أصبحت ألمانيا اليوم الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم (تجاوزتها الصين في عام 2009).

بيد أن أوروبا على الرغم من ذلك كانت تجد دوماً صعوبة في التفاهم مع ألمانيا التي تتسم بالثقة المفرطة بالنفس، ناهيك عن الغطرسة. وتؤكد الاضطرابات السياسية الحالية في أوروبا أن وصفات التقشف التي قدمتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للدول المثقلة بالديون على أطراف أوروبا، كانت أشبه بالإملاءات الألمانية، بصرف النظر عن مدى معقوليتها من الناحية المجردة. ومكمن الخوف هنا في نظر العديد من المراقبين ليس "المشكلة الألمانية" التاريخية في أوروبا فحسب، بل وأيضاً حقيقة مفادها أنا ألمانيا قد تنتهي بها الحال إلى تصدير نفس أشباح السياسيات المتطرفة والنزعة القومية العنيفة، التي تجاوزتها في الداخل بفضل نجاحها الاقتصادي، إلى بقية أوروبا.