0

مأساة زيدان

"إن الآلهة حين ترغب في تدمير إنسان، فهي تلبي له أمانيه ورغباته". ربما كان زين الدين زيدان يتأمل اليوم هذه الحكمة الإغريقية القديمة. فبعد أن أعلن زيدان عن رغبته في إنهاء حياته المهنية بانتهاء كأس العالم لكرة القدم، تحققت له رغبته. كانت فرنسا قد تمكنت بالكاد من اجتياز الدور الأول للبطولة، لكن زيدان بأدائه المتفوق تمكن من قيادة فريقه إلى مشارف الفوز بكأس العالم لكرة القدم للمرة الثانية في تاريخ فرنسا. ولكن بدلاً من أن ينهي حياته المهنية بالنصر أو على الأقل بالاستماع إلى هتافات الاستحسان والإعجاب، طُـرِدَ زيدان من المباراة النهائية بعد أن نطح أحد اللاعبين الإيطاليين برأسه. والحقيقة أن تاريخ كرة القدم لم يشهد سوى القليل من مثل هذه اللحظات المأساوية.

وأياً كان نوع الاستفزاز الذي دفع زيدان إلى هذا السلوك (ربما كان تعليقاً عنصرياً من اللاعب الإيطالي)، فإن تصرفه العنيف، والذي شهده العالم أجمع، أدى إلى خسارة زيدان لصورته البراقة. والمفارقة هنا أن تلك الواقعة حدثت بينما كان العالم يحتفي بدماثته الأسطورية كإنسان ويتعلم منها. أما الآن فلسوف تكون ذكراه مصحوبة دوماً بصورة ذلك السلوك العنيف.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

الحقيقة أن وضع زيدان باعتباره بطلاً مثالياً لأكثر الألعاب الرياضية عالمية وشعبية لا يبرر تمام التبرير تعلق الناس به إلى هذا الحد. لقد كانت الصفات الإنسانية التي يتمتع بها، بالموازاة مع موهبته الخارقة وإنجازاته الفنية على أرض الملعب، مسئولة بالتساوي عن الاحتفاء الشعبي الكبير الذي ناله.

وهكذا كانت حال كرة القدم دوماً. فقد كان دييجو مارادونا بالنسبة للأرجنتينيين رمزاً لانتقام الضعيف والمحروم. ونتيجة لهذا، فقد تغاضى أهل بلاده عن سلوكه السيئ المتكرر. وعلى نحو مماثل، أصبح بيليه رمزاً للبرازيل المنسجمة على الرغم من تعدد العرقيات بها.

لكن زيدان لم يقدم أياً من هذه الصور الرومانسية. كما أنه ليس من المرجح أن يعمل فيما بعد كإداري في مجال لعبته، بعد أن انتهت حياته كلاعب محترف، مثل جون كلود كيلي الذي كان محترفاً للتزحلق على جبال الألب سابقاً ثم أصبح رئيساً مشاركاً للألعاب الأوليمبية الشتوية في عام 1992، أو زميله أسطورة كرة القدم ميشيل بلاتيني ، الذي ساعد في تنسيق بطولة كأس العالم عام 1998. ذلك أن زيدان الذي يعد أفضل لاعب كرة قدم في العالم، قد ترك الساحة بعد لفتة لا مكان لها في أي لعبة رياضية.

ولكن على الرغم من ذلك فلسوف يظل زيدان يشكل رمزاً عالمياً، بسبب شخصيته الإنسانية المتعمقة وبساطته المتناهية. إنه رجل معروف في أكثر أركان الكرة الأرضية عزلة، ومع ذلك فقد كان حريصاً على أن يظل دوماً بمثابة الجار الهادئ الصموت. وفي وقت كانت مسألة التكامل مطروحة للنقاش في فرنسا، كان زيدان تجسيداً حياً للنجاح المثالي الناتج عن الموهبة والعمل الجاد ـ بينما لم يتبرأ قط من أصوله الجزائرية.

فضلاً عن ذلك، فقد جسد زيدان تلك القيم التي باتت مهددة في أيامنا هذه، ولكن ظل الإنسان العادي مرتبطاً بها: مثل الولاء للأسرة، والكد والاجتهاد، وروح التعاون. إن ذلك الرجل لم يكن بطلاً للعالم فحسب، بل لقد كان أيضاً ابناً نموذجياً وأباً مثالياً. والحقيقة أن الأسلوب المؤثر الذي عبر به، بعد انتصار فرنسا على أسبانيا، عن حبه لأمه، لمس قلوب المشاهدين في كل أنحاء العالم.

لكي نفهم السبب وراء الشعبية التي يتمتع بها زيدان فليس علينا إلا أن نقارن بين تواضعه وانتباهه إلى مشاعر الآخرين وبين الغطرسة و��للامبالاة التي يتسم بها سلوك العديد من المشاهير، بما في ذلك لاعبي كرة القدم. وفي الوقت الذي أصبح فيه الفارق بين صفوة الناس وعامتهم يكاد يكون غير محسوس سواء في فرنسا أو في بقية دول العالم، وأصبحت الأناقة التي تميز الأثرياء غير محسوسة إلى الحد الذي يجعل من هم أقل حظاً من الثروة يحسدونهم، أصبح زيدان ابن المهاجرين المتواضعين غير المحبوبين نجماً دولياً، ومع ذلك فقد ظل محتفظاً بالبساطة التي تتسم بها أصوله.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لكل ما سبق، لم يكن زيدان محل إعجاب فحسب، بل لقد كان أيضاً موضع احترام وتقدير. ولم يكن نجاحه مبنياً قط على إلحاق الأذى بالآخرين. بل على العكس من ذلك، فهو من الرجال الناشطين في قضايا مثل إعانة الأطفال المرضى. ومن الواضح أنه يستطيع ذات يوم أن يصبح سفيراً رائعاً للسلام، أو للأطفال، بالعمل لدى الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية أخرى.

لكن البطل قد سقط الآن. و زيدان لم يكن "سوبرمان" (الرجل الخارق)، بل كان مجرد إنسان. ففي لحظة من الغضب يتعذر علينا أن نفهم أبعادها، تحولت لحظة مجده وعظمته إلى لحظة جنون ولعنة. وقد تكون مأساته شخصية في النهاية، لكنها على الرغم من ذلك قد تشكل خسارة عظيمة ـ تمتد إلى ما هو أبعد من عالم كرة القدم ـ إذا ما خلف خروج زيدان على ذلك النحو المخزي أثراً سيئاً على التراث الخاص به كإنسان.