0

الانكماش الأعظم الثاني

كمبريدج ـ تُرى لماذا لا يزال الجميع إلى وقتنا هذا يطلقون على الأزمة المالية الأخيرة وصف "الركود الأعظم"؟ الواقع أن هذا المصطلح يستند إلى خطأ تشخيصي خطير للمشكلة التي تواجه الولايات المتحدة وغيرها من الدول، الأمر الذي أدى إلى توقعات غير سليمة وسياسات رديئة.

إن عبارة "الكساد الأعظم" تخلق انطباعاً بأن الاقتصاد يتبع خطوط الكفاف لحالة ركود نموذجية، ولكنها أكثر حدة بعض الشيء ـ أو ما هو أشبه بنزلة برد شديدة حقا. ولهذا السبب خابت طيلة هذه الأزمة كافة توقعات المتكهنون والمحللون الذين حاولوا القياس على فترات الركود السابقة التي شهدتها الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب. كما اعتمد العديد من صناع القرار السياسي فضلاً عن ذلك على اعتقاد مفاده أن الأمر في النهاية لا يعدو كونه مجرد ركود عميق يمكن إخضاعه بالمساعدات السخية بالاستعانة بأدوات سياسية تقليدية، سواء كانت السياسة المالية أو عمليات الإنقاذ الضخمة.

ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الاقتصاد العالمي مثقل بالديون إلى حد خطير، ولا يوجد مخرج للهروب السريع من دون وضع مخطط لنقل الثروة من الدائنين على المدينين، سواء عن طريق التخلف عن السداد، أو القمع المالي، أو التضخم.

هناك مصطلح أكثر دقة، ولو أنه أقل بثاً للطمأنينة، لوصف الأزمة الجارية، ألا وهو "الانكماش الأعظم الثاني". وكنا قد اقترحنا هذا الوصف أنا وكارمن راينهارت في كتاب لنا تحت عنوان "هذه المرة مختلفة"، استناداً إلى تشخيصنا للأزمة باعتبارها أزمة مالية عميقة نموذجية، وليست ركوداً عميقاً نموذجيا. كان "الانكماش الأعظم" الأول بطبيعة الحال هو أزمة "الكساد الأعظم" (في ثلاثينيات القرن العشرين)، كما أكَّد ميلتون فريدمان وآنا شوارتز. فالانكماش لا ينطبق على الناتج وتشغيل العمالة فحسب، كما هي حال الركود العادي، بل وينطبق أيضاً على الديون والائتمان، وعملية سداد الديون التي تستغرق عدة سنوات عادة حتى تكتمل.