0

عَـرَض الـفُـصام

تصيب الشيزوفرينيا حوالي 1% من الناس حول العالم. وتظهر أول أعراض الشيزوفرينيا عادة في أواسط العشرينات من العمر، وكثير من الناس لا يشفون منها تمام الشفاء. وما يزيد الأمر سوءاً وتعقيداً هو أننا لا نعلم أي شيء تقريباً عن مسببات الشيزوفرينيا.

على أحد الجوانب، هناك دلائل قوية تشير إلى أن للشيزوفرينيا أساساً بيولوجياً، حيث أنها تسري بين أفراد العائلة الواحدة، مما يشير إلى وجود عنصر وراثي في الأمر. كما توجد بعض الاختلالات الدقيقة في بنية المخ. والعلاج بالعقاقير، وعلى الأخص تلك التي تستهدف الـمُوِّصِل العصبي المعروف بالدوبامين، قد يخفف من الأعراض. لكن الآلية التي يحدث بها هذا التأثير غير معلومة، والأعراض الجانبية المصاحبة له غير سارة.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

وعلى الجانب الآخر، فإن الصفة المميزة لأعراض الشيزوفرينيا هي أنها راسخة تماماً في نطاق هيمنة العقل. ويشكو المرضى من هلوسات (مدركات حسية زائفة) وضلالات (معتقدات زائفة). فقد يستمع المريض إلى صوت أفكاره منطوقة بصوت عالٍ، أو يستمع إلى أصوات تناقشه وتحاوره. والمريض قد يعتقد في وجود قوى غريبة تتحكم في أفعاله أو تُـقْـحِم أفكاراً في ذهنه. والتحدي الذي يواجه الطبيب النفسي العصبي هنا هو أن يؤكد كيف لخلل في المخ أن يؤدي إلى هذه الخبرات الغريبة.

وتتلخص نقطة انطلاقي لفهم الشيزوفرينيا فيما لاحظته من أن الصوت الذي يسمعه المريض، في بعض الحالات، هو صوته شخصياً. وهذه الملاحظة تسلط ضوءاً مختلفاً بعض الشيء على المشكلة: والسؤال هنا ليس لماذا يستمع المريض إلى أصوات، بل لماذا يخطئ صوته ويعتبره صوت شخص آخر. وينطبق نفس السؤال على أعراض أخرى أيضاً. على سبيل المثال، يشكو مريض ضلالات السيطرة من أن تحركاته غريبة، وأنه يشعر وكأن تلك التحركات صادرة من شخص آخر.

وهذا ليس مُـرَوِّعاً كما قد يبدو للوهلة الأولى، حيث أن كل نشاط نقوم به يتسبب في إحداث تغييرات في حواسنا. فحين نتكلم نسمع أصواتنا. وحين يحرك الواحد منا ذراعه تحدث تغييرات في إحساسنا بالحركة واللمس. ولكن لا شيء في طبيعة هذه الحواس يجعلنا نميز بينها وبين الإشارات التي تتسبب فيها أحداث خارجية ـ كصوت شخص آخر، أو شخص آخر يرفع ذراعنا.

في الحالات الطبيعية لا نجد صعوبة في إدراك ما إذا كانت تلك الأحاسيس ناتجة عن أفعالنا نحن، وذلك لأننا نستطيع أن نتوقع تلك الأحاسيس. فطبقاً للأوامر الحركية التي يصدرها مخ المرء إلى عضلاته، يستطيع أن يتوقع كيف بالتحديد ستكون الأحاسيس الناتجة عن حركة بعينها. ولهذا لا نستطيع أن ندغدغ أنفسنا. وإذا ضرب أحدنا راحة يده اليسرى بيده اليمنى يكون الإحساس بالضربة عند حده الأدنى. لكن الإحساس يكون قوياً للغاية إذا جاء المثير من شخص آخر أو من إنسان آلي.

ونستطيع أن نلاحظ نفس الظاهرة في المخ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI). حيث أن ضرب راحة اليد يتسبب في نشاط في ذلك الجزء من المخ ـ الفص الجداري ـ الذي يحتوى على المثير اللمسي. لكن نشاط المخ يكون أقل كثيراً إذا ضرب الشخص الخاضع للمسح راحته بنفسه.

هذه الآلية، والتي تدعى تحرير اللازمة، يخفف من خبرتنا بالأحاسيس التي نحدثها بأفعالنا. وهذا يجعلنا نتمكن من التعرف على التغييرات الأكثر أهمية في الإحساس والتي تأتي نتيجة أحداث خارجية، والتمييز بينها وبين الأحاسيس الناتجة عن أفعالنا.

وإذا لم تعمل هذه الآلية كما ينبغي، فقد نعزو على نحو كاذب الأحاسيس التي نحدثها بأفعالنا إلى شيء ما يحدث في العالم الخارجي الذي لا نملك السيطرة عليه. ومن الممكن اختبار هذه الفرضية تجريبياً. ومن خلال التجربة، فإن المريض الذي يشكو من أن تحركاته تبدو وكأنها لشخص غيره، لابد وأن يكون أكثر إدراكاً للأحاسيس الناتجة عن أفعاله. وهو في هذه الحالة قادر على دغدغة نفسه على سبيل المثال.

في الحقيقة، لقد توصلنا بالتحديد إلى ما يلي: ي��رر المريض الذي يعاني من ضلالات السيطرة من أن الأحاسيس التي يختبرها حين يضرب راحة يده بنفسه هي تماماً بنفس حدة الأحاسيس الناتجة عن ضربة يتلقاها على راحة اليد من شخص آخر. ووفقاً لعلم وظائف الأعضاء، فإن هذا المريض يبدي نشاطاً مرتفعاً على نحو شاذ في الفص الجداري حين تصدر عنه تحركات يشعر وكأنها لشخص آخر. وعلى هذا فإن استجاباته العضوية للأحاسيس التي يتسبب في إحداثها بنفسه لا يتم تخفيفها.

ولقد سجلنا ملاحظات مشابهة فيما يتصل بالجهاز السمعي. فقد وجدنا أن النشاط في الجزء من المخ المختص بالصوت ـ الفص الصدغي ـ يقل حين يستمع أي منا إلى صوته وهو يتحدث. أما المريض الذي يعاني من هلوسات سمعية فهو لا يبدي هذا الانخفاض في نشاط الفص الصدغي حين يستمع إلى صوته وهو يتحدث.

حتى الآن لا نعلم إلا أقل القليل عن الآليات التي تسمح لنا بتوقع الأحاسيس الناتجة عن أفعالنا. والجزء من المخ المسئول عن توليد الأفعال ـ القشرة الجبهية ـ لابد وأنه يرسل إشارات إلى مناطق من المخ حيث تتم معالجة الحواس، لكننا نعلم أقل القليل عن طبيعة هذه الإشارات أو المسارات المحددة التي تسلكها.

Fake news or real views Learn More

لكننا نستطيع أن نقيس قوة الترابط بين مناطق المخ. وقوة هذا الترابط تبدو مخفضة لدى مرضى الشيزوفرينيا. وعلى هذا فربما يكون المفتاح إلى فهم أعراض الشيزوفرينيا على المستوى العضوي يأتي من خلال دراسة الترابطات بين مختلف مناطق المخ.

ما زال أمامنا الكثير من العمل لكي نفهم الشيزوفرينيا وحتى نستطيع أن ننتج المزيد من العلاجات الناجعة لها. لكننا لدينا الآن على الأقل إطار واعد لفهم كيفية الربط بين الخبرات الغريبة التي يتعرض لها العقل وبين العمليات غير السوية التي تحدث في المخ.