0

النهضة الروسية

إن النهضة الوطنية التي تشهدها روسيا اليوم، والجرأة الجديدة التي تتحلى بها تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتن ، ليست في الحقيقة نتاجاً لظروف داخلية جديدة، بل إن ذلك يأتي انعكاساً لظروف دولية إيجابية إلى حد كبير. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز إلى عنان السماء، وباتت الولايات المتحدة غارقة في مشاكل خطيرة في العراق والشرق الأوسط، وأصبح الغرب منقسماً بشأن كيفية التعامل مع روسيا.

ولقد كانت إدارة بوتن حريصة على استغلال هذه البيئة الإيجابية. إلا أنه على الرغم من أن بعض تحركات الكرملين تبدو واضحة ومعقولة، إلا أن بعضها الأخر لا نستطيع وصفه بالتعقل أو بعد النظر.

على سبيل المثال، كانت رغبة روسيا في الحصول على حصص ملكية في أسواق توزيع الغاز الأوروبية منطقية إلى حد بعيد، وهي رغبة مشروعة إذا ما أخذنا في الاعتبار موارد روسيا من الطاقة وخطوط الأنابيب التي تمدها إلى البلدان المجاورة. وعلى نحو مماثل، كانت الجهود الروسية الرامية إلى توسيع نفوذها في الدول الغنية بالطاقة في وسط آسيا تهدف إلى ترسيخ مكانة روسيا باعتبارها مورد رئيسي للطاقة. ولتأكيد ذاتها باعتبارها قوة عظمى خارج المملكة الغربية، بادرت روسيا إلى دعم وتعزيز منظمة شنغهاي للتعاون، والتي تتضمن الصين وأغلب دول آسيا الوسطى. والحقيقة أن روسيا تبدي اهتماماً متزايداً بعلاقاتها مع الصين، وتحرص على إحداث نوع من التحول الإستراتيجي في سياساتها الخارجية، حتى ولو لم يكن من الواضح بُـعد المدى الذي ترغب روسيا في الوصول إليه فيما يتصل بتوثيق علاقاتها بالصين.

إلا أن بعض المواقف مثل التحرش بجورجيا ومولدوفا، أو إظهار التأييد لمنظمة حماس، أو تدليل كوريا الشمالية، لا تراعي أي حس إستراتيجي فيما يتصل بمصالح روسيا على الأمد البعيد. وتبدو هذه المواقف وكأنها موجهة بدافع من ضغينة أو نكاية واضحة. فالضغوط الخرقاء التي تمارسها روسيا على جورجيا، ودعمها للحركات الانفصالية في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، الجمهوريتين غير المعترف بهما في جورجيا، من الأمور التي تؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء وتهديد الاستقرار في شمال القوقاز المتوتر بالفعل. وإذا ما انقلب ذلك التوتر إلى حرب مفتوحة، فلسوف تجد روسيا نفسها عاجزة عن تجنب العواقب.