0

حق الموت

في الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول، قرر الطبيب الإيطالي ماريو ريشيو أن يفصل بيرجيورجيو ويلبي عن جهاز التنفس الاصطناعي الذي كان يبقيه على قيد الحياة. ولقد ظل ويلبي ، الذي كان يعني من شلل وضمور في العضلات، يكافح لمدة طويلة في المحاكم الإيطالية مطالباً بحقه في الموت. بعد أن أعطاه ريشيو عقاراً مسكناً وأوقف جهاز التنفس الاصطناعي عن العمل، كرر ويلبي كلمة ampquot;شكراًampquot; ثلاث مرات، لزوجته، وأصدقائه، وطبيبه. وبعد خمس وأربعين دقيقة توفي ويلبي .

كانت مطالبة ويلبي بالموت قد حظيت بدعاية واسعة النطاق في إيطاليا، الأمر الذي أدى إلى مناقشة محتدمة. وحتى وقت كتابة هذا المقال لم يكن من الواضح ما إذا كان ريشيو سوف يتهم بأي جريمة. إلا أن أحد الساسة الإيطاليين على الأقل طالب بإلقاء القبض عليه بتهمة القتل.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

الحقيقة أن وفاة ويلبي تثير سؤالين ينبغي التمييز بينهما. الأول هو ما إذا كان لأي شخص الحق في رفض الخضوع للعلاج الطبي المدعم للحياة. والآخر هو ما إذا كان بوسعنا أن ندافع أخلاقياً عن القتل الرحيم الطوعي.

إن موافقة المريض المبنية على اطلاع كامل لابد وأن تشكل شرطاً مسبقاً لخضوعه لأي علاج طبي، ما دام المريض شخصاً بالغاً ذا أهلية وفي وضع يسمح له باتخاذ القرار. وإن فرض العلاج الطبي قسراً على مريض بالغ غير راغب في العلاج يعادل الاعتداء عليه. وقد يحلو لنا أن نتصور أن المريض يتخذ بذلك القرار الخطأ، إلا أننا لابد وأن نحترم حقه في اتخاذ القرار. وهذا الحق معترف به في أغلب الدول، إلا أنه من الواضح أن إيطاليا لا تعترف به.

وحتى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ترى منذ أمد بعيد عدم وجود التزام يفرض استخدام وسائل ampquot;استثنائيةampquot; أو ampquot;غير متناسبةampquot; لإطالة الحياة ـ وهو الرأي الذي تكرر في ampquot;الإعلان الخاص بالقتل الرحيمampquot; والصادر عن المجمع الكنسي المقدس والذي صادق عليه البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1980. وينص هذا الإعلان على أن رفض العلاج الطبي المرهق ampquot;لا يعادل الانتحارampquot;. بل إن العكس هو الصحيح، فمثل هذا الرفض ampquot;لابد وأن يعتبر قبولاً للحالة الإنسانية، أو رغبة في تجنب الخضوع لإجراء طبي لا يتناسب مع النتائج التي يمكن توقعها، أو عدم الرغبة في فرض أعباء مالية زائدة على الأسرة أو المجتمعampquot;.

وهذا الوصف ينطبق تماماً على قرار ويلبي . ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إن ما فعله ريشيو هو ما يتحتم على أي شخص أن يكون مستعداً للقيام به من أجل ويلبي الذي كان مشلولاً وغير قادر على تنفيذ رفضه لعلاج طبي ثقيل ومرهق.

إذا ما كان موقع قضية ويلبي في الجانب الصحيح من الخط الذي رسمته العقيدة الكاثوليكية الرومانية، فإن هذا يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل هذا الخط الذي رسمته العقيدة الكنسية يأتي في مجال يتفق مع العقل؟ وإذا ما كان لمريض يعاني من داء عضال أن يرفض الخضوع لعلاج مرهق، وهو يدرك أن هذا الرفض يعني موته، فما الذي يمنع مريضاً يعاني من داء عضال ولا يخضع لأي علاج طبي يبقيه على قيد الحياة لكنه يجد أن المرض في حد ذاته يجعل من الحياة عبئاً لا يطاق، من طلب المساعدة في الهروب من ذلك العبء؟

سوف يجيب المدافعون عن التعاليم الكاثوليكية بأن المريض في الحالة الأخيرة يعتزم إنهاء حياته، وأن هذا خطأ، بينما في الحالة الأولى، لا يعتزم المريض سوى تجنب العبء الإضافي المترتب على العلاج. إن الموت بطبيعة الحال يعتبر عاقبة متوقعة لتجنب ذلك العبء، إلا أنه يشكل نتيجة ثانوية لم تكن مقصودة بصورة مباشرة. وإذا ما تمكن المريض من تجنب العبء والاستمرار في الحياة على الرغم من ذلك، فإن هذا اختياره. وربما يزعمون أن ويلبي ما كان ينبغي له أن يحصل على المساعدة في تنفيذ رغبته في الموت، وذلك لأنه عبر بصراحة ووضوح عن رغبته في الموت، وليس عن رغبته في تجنب العلاج المرهق.

إن هذا التمييز يشتمل على قدر كبير من الالتباس. ففي كل من الحالتين يختار المريض عن علم مساراً لابد وأن يؤدي إلى موته، بدلاً من اختيار مسار بديل من شأنه أن يقوده إلى حياة أطول ولكنها مرهقة. والحقيقة أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بتركيزها على النية الضيقة المتمثلة في رفض المريض للعلاج المرهق، بدلاً من التركيز على المعاني الضمنية التي يشتمل عليها اختياره، تصبح بذلك قادرة على تجنب العنصر غير الإنساني الذي يتلخص في إلزام المريض دوماً بقبول العلاج المطيل للحياة، حتى لو كان ذلك العلاج مؤلماً أو مكلفاً. إلا أن الكنيسة حين تفعل ذلك تجعل من معارضتها القوية للانتحار بمساعدة الغير أو القتل الرحيم الطوعي أمراً غير مترابط وغير مفهوم.

تعترف أغلب الدول بالحق القانوني في رفض العلاج الطبي، إلا أن القانون لا يسمح للأطباء بمساعدة المريض في إنهاء حياته بوسيلة غير إيقاف العلاج الطبي المعضد للحياة إلا في هولندا، وبلجيكا، وسويسرا، وولاية أوريجون الأميركية.

Fake news or real views Learn More

ولقد تعرضت هولندا بصورة خاصة إلى حملة قاسية من الانتقاد. ويزعم المنتقدون أن إضفاء الصبغة القانونية والشرعية على القتل الرحيم الطوعي يؤدي إلى انهيار الثقة في مهنة الطب، فضلاً عن كافة أنواع العواقب الأليمة الأخرى. ولكن إن صحت هذه المزاعم فإن أحداً لم يحدث الهولنديين عن ذلك. فعلى الرغم من تغيير الحكومة في هولندا منذ تشريع القتل الرحيم الطوعي، لم يبذل أحد أي جهد لإبطال هذا التشريع أو إلغائه. ولا يوجد ببساطة تأييد شعبي لمثل هذا التحرك.

إن الهولنديين يعرفون كيف يمارس القتل الرحيم الطوعي في بلادهم، وهم يدركون أن تشريع القتل الرحيم القانوني كان سبباً في تحسين وليس إلحاق الضرر بالرعاية الطبية التي يتلقونها، كما أنهم سعداء بتوفر احتمال مساعدتهم على الموت، إذا ما رغبوا في ذلك أو دعتهم الضرورة إليه. ألا ينبغي أن يكون هذا الخيار متاحاً لكل إنسان؟