12

المجتمع الكَمّي

نيويورك ــ لقد كتبت من قَبل عن الحركة الذاتية المحددة كميا ــ الأفراد المجهزون بالأدوات (أجهزة الرصد والبرامج) اللازمة لقياس صحتهم وسلوكهم بأنفسهم (وتحسين صحتهم وسلوكهم بهذا الشكل). الواقع أن هذه الحركة لا تجتاح العالم بالقطع، ولكنها تحدث فارقاً واضحا. إن هؤلاء الذين يتبنون فكرة تحديد أنفسهم كمياً يراقبون ضغط دمهم، ودورات نومهم، وكتل أجسامهم. وبعضهم على الأقل يستخدم هذه المعلومات لتحسين صحته والحياة بشكل أكثر إنتاجية.

وعلى نفس النحو، أتوقع (وأنا أحاول تعزيز هذا التوقع) نشوء حركة المجتمع الكَمي، حيث تعمل المجتمعات على قياس حالة وصحة وأنشطة أهلها ومؤسساته، وبالتالي تحسين كل ذلك. ولنتأمل معاً هذا المثال: كل مدينة لديها مدارسها، ومكتباتها، وقوات شرطتها، وطرقها وجسورها، وشركاتها، وبالطبع سكانها. وكل من هذه الجهات تولد الكثير من المعلومات، ولكن أغلب هذه المعلومات لا تُجمَع ولا تخضع للتحليل. ولكن هذا على وشك أن يتغير.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

فكما هي الحال مع الذات المحددة كميا، بدأت تنشأ مؤخراً أدوات جمع وتحليل البيانات عن كل شيء من الصحة العامة إلى الحُفَر في الطرق، وأسعار العقارات، ومعدلات الالتحاق بالمدارس، وغير ذلك الكثير. والواقع أن العديد من الأدوات البرمجية المستقلة المتخصصة في تحليل البيانات والعديد من المواقع على شبكة الإنترنت توفر البيانات التي يمكن تنقيتها لاستخلاص المعلومات المحلية وتقديمها في هيئة تصورات مفيدة.

ويتم تمويل العديد من هذه الأدوات من قِبَل مؤسسة سن لايت (وأنا من أعضاء مجلس إدارتها) ومؤسسة نايت، ومؤسسة كوديفور أميركا (ابنة أخي لورين دايسون تعمل هناك). وثمة أدوات أخرى يتيحها موقع سيتي مارت دوت كوم، وهو عبارة عن سوق لهذه الأدوات (فضلاً عن البرامج والخدمات الأكثر تجهيزاً للتشغيل والتنفيذ).

ومن بين الخدمات الأخرى سي كليك فيكس، وهي أداة بيانات مولدة من قِبَل المستخدم تسمح للأفراد بجمع المعلومات عن مشاكل البنية الأساسية مثل حُفَر الطريق، وأضواء الشوارع المعطلة، وما إلى ذلك، ثم مراقبة عمليات الإصلاح. وعلى نحو مماثل، يعمل موقع زيلو على جمع ونشر المعلومات عن العقارات. وهناك مسابقات مثل مسابقة بج آبس في مدينة نيويورك تعمل على تشجيع المطورين على خلق تطبيقات تستخدم البيانات الخاصة بالمدن فيما يتصل بكل شيء من نتائج تفقد المطاعم إلى سجلات أداء المدارس. وبوسع المحددين لذاتهم كمياً أن يساهموا ببياناتهم الخاصة عن صحتهم وأنشطتهم.

ومع استخدام الناس والمجتمعات مثل هذه الأدوات، فإن هذا سوف يساعد في خلق أدوات أكثر وأفضل، وسوف يبدأ المطورون في تجميع المعلومات معا، وتمكيننا على سبيل المثال من إدراك العلاقة بين عادات الناس في ممارسة التمارين الرياضية وإحصاءات الصحة المحلية. وبوسع أرباب العمل وشركات التأمين أيضاً الإسهام بمعلومات مجهولة المصدر. والهدف هنا يتلخص في خلق المنافسة ــ بين المجتمعات وبين مطوري الأدوات ــ وبالتالي تعزيز فرص نشوء أدوات أفضل ومجتمعات أكثر إنتاجية وملاءمة للتعايش معها.

وهذه ليست ظاهرة أميركية فحسب. فقبل أسبوعين، وفي مؤسسة المشروع المفتوح في موسكو، رأيت مشروعاً بادئاً يسمى أنتروبوليس، والذي يقدم خريطة لمشاريع التطوير المجتمعي والبيانات الخاصة بها: من المسؤول، وحجم الميزانية، والإمدادات، وما إلى ذلك.

إن العديد من المؤسسات من غير المحتمل أن توفر البيانات اللازمة في البداية. ولكن البيانات موجود بالفعل، وأغلبها يمكن إتاحته إذا كان الطلب عليها قوياً بالقدر الكافي. ومن بين المؤسسات القادرة على حمل لواء الريادة في هذا المجال الصحف المحلية، والتي يبحث العديد منها عن نماذج عمل جديدة ومصادر جديدة للمحتوى الفريد من نوعه. والصحف لديها الاتصالات، والموارد، وتتمتع بالاحترام الكافي للاضطلاع بدور أساسي.

والواقع أنني أعتقد أن الصحف المحلية سوف تجد غالباً أن المجتمع الكمي يزودها بنماذج العمل التي تحتاج إليها في وقت حيث يتجاوزها العديد من المعلنين إلى التسويق الاجتماعي وإنشاء مواقع خاصة بهم على شبكة الإنترنت. وعلى الرغم من الزوال المنتظر للصحف المطبوعة، فإن الصحف المحلية لا تزال عموماً قادرة على الوصول إلى المزيد من المواطنين المحليين مقارنة بأي مؤسسة أخرى منفردة. وهي تحتاج إلى وسيلة تمكنها من الحفاظ على أهميتها؛ وقد يكون هذا هو الحل المطلوب.

فبالإضافة إلى بيع الإعلانات حول البيانات، تستطيع الصحف المحلية أن تتقاضى من المؤسسات أجراً في مقابل تحليل بيانات بعينها، وإجراء دراسات مقارنة، وما إلى ذلك. والصحف الأكثر مغامرة بينها ربما تمنح تراخيص لصحف أخرى تتبع نفس خطاها في مجتمعات أخرى لاستخدام برمجياتها التحليلية.

وبوسع أي وكالة أنباء محلية أن تجمع وتدير البيانات (باستخدام العاملين لديها وربما بعض الموارد لدى الأطراف الثالثة التي ذكرتها) وتوفير محور مركزي لإدارة ومقارنة البيانات. على سبيل المثال، أي الأحياء تتمتع بأكثر الناس صحة؟ وأي من أصحاب العمل تستأجر العاملين، وأيهم يستغني عن العمال؟ وكيف يرتبط التغيب المتكرر بالصحة ــ وبعضوية النوادي الصحية؟

وبوسع أي شركة أنباء أن تشجع المسابقات داخل الأحياء أو مع مجتمعات أخرى فيما يتصل باكتساب صحة أضل، أو إصلاح المزيد من حفر الطريق، أو الحد من معدلات حوادث الطرق، أو منع قيادة السيارات تحت تأثير الكحول. وكما تشكل المنافسة مع أفراد آخرين جزءاً من حركة تحديد الذات كميا، فإن المنافسة مع المجتمعات الأخرى سوف تشكل جزءاً من حركة تحديد المجتمعات كميا.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

كل هذا لا يزال في مرحلة مبكرة. ولكن لعله كما أعتقد النتيجة الأفضل بالنسبة للعديد من الصحف المحلية الباحثة عن نموذج جديد للعمل، وأيضاً بالنسبة للمجتمعات العديدة التي قد تستفيد من زيادة الوعي الذاتي وحافز التدقيق والمنافسة. بقليل من الحظ، وفي حين تتقدم بعض المجتمعات الطريق، فإن مجتمعات أخرى سوف تتعلم منها. وذات يوم، لن يشتكي المواطنون من مشاكل محلية فحسب؛ بل إنهم سوف يمتلكون البيانات اللازمة لإثبات حجتهم ــ والتوصل إلى كيفية إصلاح هذه المشاكل!

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali