23

المشكلة مع "الديمقراطية غير الليبرالية"

برينستون ــ كان المنعطف الذي سلكته بولندا نحو الحكم الاستبدادي سبباً في إطلاق أجراس الإنذار في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي وداخل بلدان حلف شمال الأطلسي. فمنذ وصوله إل السلطة في أكتوبر/تشرين الأول، دأب حزب ياروسلاف كاتشينسكي، القانون والعدالة، على مهاجمة المحكمة  الدستورية البولندية، وتسييس السلطة القضائية والخدمات المدنية، وشن الهجوم على التعددية الإعلامية.

والواقع أن منتقدي حكومة حزب القانون والعدالة، التي تقودها رئيسة الوزراء بياتا سيدلو (في حين يحكم كاتشينسكي من وراء الكواليس حيث لا يشغل أي منصب رسمي)، وصفوا تصرفاته بالحرب الخاطفة لترسيخ "ديمقراطية غير ليبرالية"، على غرار ما فعله رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في بلاده على مدار السنوات الست المنصرمة. بيد أن وصف ما يجري بناؤه الآن في بولندا بالديمقراطية غير الليبرالية أمر شديد التضليل ــ وهو على نحو أو آخر يقوض الجهود الرامية إلى كبح جماح حكام يسعون إلى فرض أنظمة دكتاتورية مستبدة مثل كاتشينسكي وأوربان. ذلك أن الليبرالية ليست وحدها التي تتعرض للهجوم، بل وأيضاً الديمقراطية ذاتها.

كان مفهوم "الديمقراطية غير الليبرالية"، الذي صاغه مفكر السياسية الخارجية الأميركي فريد زكريا في مقال له نشر عام 1997، محاولة لوصف الأنظمة التي تعقد انتخابات ولكنها لا تلتزم بسيادة القانون وتطغى بانتظام على الضوابط والتوازنات الدستورية المعمول بها في أنظمتها السياسية. والواقع أنها فكرة متولدة عن خيبة الأمل والتحرر من الوهم. ففي الأيام المسكِرة التي تلت سقوط الشيوعية، ساد نوع من النشوة الديمقراطية (على الأقل في الغرب). فقد بلغنا "نهاية التاريخ"، وبدا الأمر وكأن الانتخابات والمؤسسات التمثيلية وسيادة القانون أصبحت مترافقة إلى الأبد.

ولكن سرعان ما بدأ الناخبون الذين تمكنوا حديثاً يصوتون لصالح أغلبيات استخدمت قوتهم لقمع الأقليات وانتهاك الحقوق الأساسية. وكانت الإشارة واضحة: فالديمقراطية في حد ذاتها ليست كافية. بل يستلزم الأمر بالضرورة تعزيز الليبرالية ــ حماية الأقليات والحريات المدنية الفردية.