3

تاتشر الإنسان

لندن ــ من الصعب أن أفصل بعض ذكرياتي الشخصية عن مارجريت تاتشر ــ والتي تتسم بالبساطة ولكنها كاشفة ــ عن الأحكام الكاسحة التي يصدرها التاريخ. فقد عملت معها باعتباري مديراً للبحوث في حزب المحافظين، وبوصفي وزيراً لنحو خمسة عشر عاما، قبل أن أذهب إلى هونج كونج كآخر رئيس بريطاني هناك. ولأنها أدارت مفاوضات تسليم هونج كونج إلى الصين، فإنها كانت زائرة معتادة وموضع ترحيب كبير أثناء فترة ولايتي.

كانت تاتشر شديدة الدعم لصيانة سيادة القانون، والحريات المدنية، والتطلعات الديمقراطية في هونج كونج. وكانت تبدي تعاطفها مع الناشطين الموالين للديمقراطية وإعجابها بهم. كما أتذكر أنها كانت الزائرة الوحيدة لمقرنا الرسمي ــ وكان الزائرون كثر ــ التي تقوم بترتيب فراشها بنفسها، برغم أن المقر كان عامراً بعدد كبير من الموظفين الممتازين الجادين في عملهم (والذين كانت تتعامل معهم دوماً بكل لطف وكياسة).

وكانت تاتشر تصر على نحو ثابت لا يتغير، عندما تسافر في مهمة عمل إلى بكين، على شراء هدية أولاً للزعيم الصيني السابق زهاو زيانج، الذي تفاوضت معه على تسليم هونج كونج. ومنذ أحداث القتل في ميدان السلام السماوي، التي حاول تجنبها من خلال التسوية، وضع زهاو زيانج تحت الإقامة الجبرية. وكلما كانت تطلب من أي مسؤول كبير تقابله أن يسلم هديتها وأطيب تمنياتها إلى زهاو، فإن الزعامة الصينية كانت تدرك أن العالم الخارجي لا يزال يفكر فيه ويريد أن يضمن سلامته. وكان ذلك التصرف عملياً ورقيقا.

وباعتبارها زعيمة وطنية، فإن الإنجاز الرئيسي لتاتشر كان عكس اتجاه انحدار بريطانيا، الذي بدأ يكتسب زخمه في سبعينيات القرن العشرين، قبل أول فترة ولاية لها كرئيسة للوزراء عام 1979. والواقع أن القليل من التغطية المكثفة لوفاتها ركز على الهيئة التي كانت عليها بريطانيا في تلك الأعوام. فقد كان الاقتصاد راكعا، وكاد التعسف في استخدام قوة النقابات المهنية يجعل من بريطانيا بلداً يستحيل حكمه.