0

السياسة الروسية وجنون الشك

ثمة مقولة في السياسة شاعت قديماً في موسكو. وخلاصة هذه المقولة أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا تتحسن كلما تولى الجمهوريون الحكم في البيت الأبيض. "نحن رجال دولة، والجمهوريون رجال دولة. ولأن كلاً منا يؤمن بالقوة، فمن السهل أن يفهم كل منا الطرف الآخر".

إلا أن المشكلة في هذه المقولة تتلخص في الحالة العقلية المتشككة الريابة الكامنة خلفها. فهي تعني ضمناً أن طبيعة العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة لم تتغير بصورة جوهرية منذ نهاية الحرب الباردة؛ وأن العداوة القائمة بين الدولتين مرجعها إلى خصومة خصمين لدودين على الصعيد السياسي الجغرافي. ويبدو أن الروس لا يشعرون بالرضا عن أنفسهم إلا أذا دخلوا في منافسة مع القوة العالمية العظمى رأساً برأس. والحقيقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يعتبر انهيار الاتحاد السوفييتي "الكارثة السياسية الجغرافية الأعظم في القرن العشرين".

ونتيجة لهذه العقلية فقد سعى بعض كبار أهل النخبة في روسيا مراراً وتكراراً إلى إحداث نوع من التدهور في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ـ ولقد لاقت مساعيهم هذه بعض النجاح وبصورة خاصة خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن الكرملين يسعى بصورة منهجية ثابتة إلى اعتراض سبيل الولايات المتحدة، حتى ولو لم يكن في هذا الاعتراض تحقيقاً للمصالح الوطنية الروسية.

ومن هذا المنطلق تبيع روسيا أسلحتها التكنولوجية المتطورة، بما في ذلك قاذفات القنابل، والغواصات، بل وربما حاملات الطائرات إلى الصين التي لا تشترك مع روسيا في أطول خط حدودي في العالم فحسب، بل إنها تتنازع أيضاً على أقسام من هذا الخط الحدودي. كما تشكل مساعدة روسيا لإيران في تحقيق طموحاتها النووية نوعاً آخر من حماقة تدمير الذات. ذلك أن روسيا لا تكتفي ببناء مفاعل نووي مدني في إيران، الأمر الذي يساعد في حد ذاته في تطوير قدرات إيران النووية؛ بل إنها أيضاً تبذل قصارى جهدها لاعتراض سبيل الجهود التي يبذلها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل الضغط على إيران حتى لا تطور الأسلحة النووية.