0

تمثيلية بالين الهزلية

نيويورك ـ كان لاختيار سارة بالين كمرشحة لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة إلى جانب جون ماكين وقع العاصفة الرعدية على الشعب الأميركي. إن بالين في نظر أنصارها في اليمين شخصية عملية واقعية مُـحِبة لأسرتها، وهم يرون أن حبها لصيد الأيائل وعقيدتها الإنجيلية، بل وحتى حياتها الأسرية المشوشة، من بين الدلائل التي تؤكد أنها سيدة أميركية نموذجية أصيلة.

أما في نظر منتقديها الغاضبين من اليسار ـ ومن الوسط على نحو متزايد ـ فهي تشكل نذيراً مخيفاً بتحول أميركا إلى دولة يحكمها رجال الدين، وأداة لإدارة أعمال الدولة على غرار المافيا، وهي امرأة تكذب بشأن ارتباط العراق بالهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتسخر من باراك أوباما بسبب معارضته لتعذيب السجناء، وتتحدى مذكرات الاستدعاء للمثول أمام المحاكم. وهم يعتبرونها بمثابة جورج دبليو بوش الثاني، ولكن في زي نسائي.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

الحقيقة أن كلاً من المعسكرين يستند إلى أدلة حقيقية. فأنصارها يستجيبون لمجموعة قوية من الرموز، ويتجاوب منتقديها لمجموعة أقوى من الحقائق.

من الأهمية بمكان أن نفهم الجاذبية الرمزية التي تمثلها بالين بالنسبة لمجموعة معينة من الناخبات، ويتعين علينا أن نحترم ما يعكسه ذلك من الغضب والتشوق إلى العدل. وهنا يشكل العامل الطبقي المغزى الضمني لهذا النوع من الانجذاب.

إن النساء الأميركيات من ذوات البشرة البيضاء كُـنّ منذ ظهور الدولة الأميركية عُـرضة لاستغلال مواهبهن والاستخفاف بمكانتهن. ورغم أن من يتمتعن منهن بالثراء أو أتين من بيئة وفرت لهن قدراً من التعليم الجيد ـ مثل هيلاري كيلنتون ، و مادلين ألبرايت ، و كونداليزا رايس ـ نجحن في كسر قيودهن الزجاجية، بل وأصبحت لهن حركة نسائية تحتفي بهن، إلا أن المنتمين منهن إلى الطبقة العاملة ينظرن إلى هذا النوع من النهضة بقدر مفهوم من الاستياء.

إذ أن النساء اللاتي ينعمن بالوفرة والثراء يستأجرن بنات الطبقة العاملة للقيام عنهن بأعمالهن القذرة، وإلا فلا سبيل أمامهن غير النزول إلى سوق العمل في الولايات المتحدة والانضمام إلى صفوف العاملات اللاتي ينتظرن الأجور الدنيا، أو الانزلاق إلى مستنقع صناعة الخدمات. إن قيود هذه الطبقة من النساء من حديد، وهي من القوة بحيث تحرمهن من استغلال مواهبهن والتمتع بحرية الحركة. وهن في المقام الأول مستبعدات، على المستويين العملي والرمزي، من المشاركة في الحياة السياسية للبلاد، وكثيراً ما يتعامل معهن الساسة بقدر عظيم من الغطرسة والتنازل.

وهنا يشكل العِرق عاملاً مهماً أيضاً. فبينما تؤكد بعض التقارير أن بالين أخبرت مجموعة من الأميركيين من أصل أفريقي أنها لم تكن مضطرة إلى تعيين موظفين من السود، فإن نساء الطبقة العاملة من ذوات البشرة البيضاء كثيراً ما ينظرن إلى تجربتهن الشخصية من منظور العداوة العنصرية. فهن يرين طبقة دنيا أخرى تحصل في اعتقادهن على فوائد ومنافع حُـرِمن هن من الحصول عليها، واقتصاد مزدهر في العالم المتنامي الذاخر بالوظائف المجزية لأبناء الطبقات الكادحة.

لذا، فحين تسلط أضواء الإعلام على سارة بالين فإنها تتحول إلى رمز للانتقام في نظر العديد من العاملات الكادحات وموظفات السكرتارية المنسيات. وحين يرين امرأة بيضاء من الطبقة العاملة تُـختار للخدمة على بعد خطوة واحدة خلف رئيس الولايات المتحدة، فإن هذا يشكل حدثاً رائعاً بالنسبة لهن. ولا نستطيع أن نتجاهل الشعبية التي حظي بها فيلم مثل ampquot;ثيلما ولويسampquot; أو فيلم ampquot;فتاة عاملةampquot;، حيث الشخصية الرئيسية سكرتيرة شجاعة تتعامل معها باستعلاء رئيسة اتحاد آيفي المتغطرسة، ولكنها في النهاية تتمكن من الفوز بوظيفة الأحلام، وفتى الأحلام، والمكتب الفخم.

الحقيقة أن أي امرأة لم تنشأ في بحبوحة من العيش، ولديها أطفال صغار في البيت، ولا تتسم بصفات شريرة أو شيطانية، فلابد وأن تحصل على صيحات الاستحسان الأولية من جانب النساء عموماً، وبكل تأكيد من جانب تلك المجموعة التي ظلت منسية ومهمشة لمدة طويلة. وإنه لأمر لطيف أن تتخيل نفسك وأنت تحكم العالم الحر، بعد أن ظللت طيلة حياتك تجهز القهوة.

ما دمنا قد قلنا هذا، فلابد وأن نذكر أن تدني معدلات قبول بالين الآن يؤكد أن هؤلاء النساء رغم حماسهن لاختيارها في البداية، إلا أنهن لسن بلهاوات. فقد بدأن يلاحظن كيف تُـقَدَّم بالين وكأنها عارضة في معرض سيارات وكيف تُـعرَض على رؤساء الدول وكأنهم تجار سيارات محليين، وكيف يُـسمَح لأجهزة الإعلام بالتقاط الصور ولكن ليس توجيه الأسئلة إليها (ampquot;هذه صورتي مع هنري كيسنجر!ampquot;). كما لاحظن أن الاقتصاد ينهار، بينما هدأت الأمور في العراق نسبياً لا لسبب إلا لأن الولايات المتحدة تدفع للمتمردين والمتعاطفين مع تنظيم القاعدة ما يوازي قسط سيارة شهري لكل شخص منهم، وليس لأنها تقتل جنودهم.

فضلاً عن ذلك، فبعد أن بدأت شخصية بالين السياسية تتخذ هيئتها الحقيقية، بدا الأمر مزعجاً على نحو متزايد. والمشكلة هنا ليست فقط أن حملة ماكين الانتخابية أحاطتها بشخصيات مخضرمة من جمعية بوش - تشيني السرية (يتولى أتباع كارل روف وعملاؤه الآن كتابه خطبها وإدارة كل حركة تقوم بها). بل إن المشكلة تكمن أيضاً في اعتقادها بأن الرب هو الذي حدد لها أجندتها التشريعية في ألاسكا، وأنها لا تعرف عن السياسة الخارجية أكثر مما اطلعت عليه من خلال مشاهدتها لقناة ديسكفري.

وفي نفس الوقت تتجلى لنا معضلة عويصة حين نعرف أن أطباء أمراض الجلد يؤكدون أن ذلك النوع من السرطان الذي عولج منه ماكين لا تتجاوز احتمالات البقاء الإحصائية بعد الإصابة به عامين إلى أربعة أعوام بالنسبة لشخص في مثل عمره. لذا، فحين بدأت تتضح الاحتمالات المزعجة بتولي بالين الرئاسة، فإنها لم تعد تتمتع بالترحيب الأولي الذي حظيت به من بنات الطبقة العاملة من ذوات البشرة البيضاء.

ما الذي يتعين علينا أذاً أن نتعلمه من فقاعة بالين الموجزة هذه؟

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

بعد أن تحولت بالين إلى فتاة دعاية لاستمرارية إدارة بوش ، بدأت تُـظهِر نفسها وكأنها تشترك في الكثير من الصفات مع الشخصيات النسائية الشعوبية الزائفة من أمثال إيفا بيرون أو زعيمة معادة المهاجرين في الدنمرك بيا كجيرسغارد . وما يتعين علينا أن نتعلمه ـ في المرة القادمة وفي كل مرة ـ هو أننا نتجاهل زعيمات عظيمات وأحلام عظيمة في النساء اللاتي يجهزن لنا الطعام ويمسحن الأرضيات في مستشفياتنا.

إن أصوات هؤلاء النسوة هي التي تستحق الدعم والاهتمام ـ وليس الأصوات التي تدعو إلى ثمانية أعوام أخرى (أو أكثر) من حكم هؤلاء السفاكين الذين نهبوا خزانة الولايات المتحدة، وخربوا اقتصادها، وأرسلوا أربعة آلاف من الشباب والشابات الشجعان لكي يلاقوا حتفهم في حرب لم تستند إلا إلى الأكاذيب.