Friday, April 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

بولندا الأخرى

مؤخراً، أدان الاتحاد الأوروبي محاولة الحكومة البولندية حرمان برونيسلاف جيرميك من تفويضه البرلماني. كان جيرميك ، وهو أحد زعماء منظمة تضامن وسجين سياسي سابق ووزير الخارجية الذي كان مسئولاً عن انضمام بولندا إلى منظمة حلف شمال الأطلنطي، قد رفض التوقيع على بيان آخر يفيد بأنه لم يكن عميلاً للشرطة السرية الشيوعية.

وصف البرلمانيون في الاتحاد الأوروبي تصرفات الحكومة البولندية باصطياد الساحرات، كما أعلن جيرميك أن قانون "التطهير" البولندي يشكل تهديداً للحريات المدنية. ورداً على هذا سارع رئيس الوزراء البولندي جاروسلاف كازينسكي إلى اتهام جيرميك بإلحاق الأذى بوطن أجداده واستفزاز المشاعر المناهضة لبولندا. وكان الشيوعيون قد استخدموا نفس العبارات حين انتقد جيرميك فساد حكمهم.

وفي الحادي عشر من مايو/أيار أصدرت المحكمة الدستورية البولندية قراراً أجهضت به القدر الأعظم من قانون التطهير، وجعلت موقف جيرميك في برلمان الاتحاد الأوروبي آمناً ـ في الوقت الحالي على الأقل. إلا أن قانون التطهير كان مجرد قانون واحد ضمن جهود منظمة من جانب الحكومة البولندية الحالية لتقويض المؤسسات الديمقراطية في الدولة.

تُـرى ماذا يحدث في بولندا، البلد الذي بدأ فيه سقوط الشيوعية؟ إن كل ثورة تتألف من طورين. الطور الأول هو طور النضال من أجل الحرية، والطور الثاني هو طور الصراع على السلطة. والطور الأول يجعل الروح البشرية تحلق في عنان السماء ويحرر في الناس أفضل طاقاتهم. أما الطور الثاني فإنه يخرج منهم أسوأ ما فيهم: الحسد، والتآمر، والجشع، والارتياب، والرغبة في الانتقام.

لقد سلكت ثورة تضامن البولندية مساراً غير عادي. فقد لجأت تضامن إلى العمل السري حين أعلِـنت الأحكام العرفية في ديسمبر/كانون الأول 1981، ونجحت في تحمل سبعة أعوام من القمع، ثم عادت من جديد في العام 1989 محمولة على موجة "البريسترويكا" التي أطلقها جورباتشوف . وأثناء مفاوضات المائدة المستديرة التي أسفرت عن نهاية الحكم الشيوعي، تم التوصل إلى اتفاق تسوية بين الجناح الإصلاحي في الحكومة الشيوعية وبين منظمة تضامن. وكان ذلك بمثابة تمهيد للطريق أمام التفكيك السلمي للدكتاتورية الشيوعية في كافة بلدان الكتلة السوفييتية.

لقد تبنت منظمة تضامن فلسفة التسوية بدلاً من الانتقام، واعتنقت فكرة بولندا من أجل الجميع بدلاً من فكرة الدولة المنقسمة بين منتصرين مطلقي السلطة وخاسرين مضطهدين. ومنذ العام 1989 تعاقبت الحكومات إلا أن الدولة ظلت تتمتع بالاستقرار؛ حتى أن الشيوعيين سابقاً وافقوا على حكم الديمقراطية البرلمانية واقتصاد السوق.

إلا أن هذا المسار لم يحظ بقبول جميع الأطراف. فاليوم باتت بولندا ترزح تحت حكم تحالف مؤلف من جماعات ما بعد تضامن التي تسعى إلى استرداد مكانتها القديمة، ومشاغبين إقليميين من مرحلة ما بعد الشيوعية، وورثة شوفينية ما قبل الحرب العالمية الثانية، ومصابين برهاب الأجانب، وجماعات معادية للسامية، وجماعات نشأت في بيئة "راديو ماريجا" الناطق بلسان الأصولية الدينية العرقية.

والحقيقة أن العلامات المقلقة أصبحت في كل مكان: فقد تقوضت سلطة المحاكم، وتعرض استقلال المحكمة الدستورية للهجوم، وتمكن الفساد من الخدمات المدنية، وانغمس ممثلو الادعاء في السياسة. وأصبحت الحياة الاجتماعية اليومية موضعاً للرقابة القمعية.

ولكن ما الأسباب التي دعت إلى كل هذا؟ إن أي ثورة ناجحة تسفر بطبيعة الحال عن فائزين وخاسرين. فلقد جلبت الثورة البولندية الحقوق المدنية في ظل موجة من الإجرام المتزايد، وطبقت نظام اقتصاد السوق بالاستعانة بمؤسسات فاشلة وفي ظل معدلات بطالة مرتفعة، كما جاء تَـشَكل وصياغة الطبقة المتوسطة النشطة مصحوباً بتفاقم التفاوت في الدخول. لقد أدت الثورة إلى انفتاح بولندا على أوروبا، إلا أنها جلبت معها أيضاً الخوف من الأجانب ومن غزو الثقافة الغربية.

ينظر الطرف الخاسر نتيجة لثورة 1989 إلى الحرية باعتبارها مصدراً لقدر عظيم من التشكك وعدم اليقين. فقد تحول عمال تضامن في المؤسسات العملاقة إلى ضحايا للحريات التي اكتسبوها بأيديهم. ففي عالم الشيوعية الحبيس كان الفرد ملكاً للدولة، إلا أن الدولة كانت تلبي الاحتياجات الأساسية اللازمة لوجود ذلك الفرد. أما في عالم الحرية فلا أحد يهتم بتلبية احتياجات الفرد. وفي هذا الجو المشحون بالتوتر والقلق يمارس الائتلاف الحالي الحكم، فيجمع بين علاجات المحافظين السريعة الزائفة، كتلك التي ابتكرها جورج دبليو بوش ، وبين الممارسات المركزية التي يتبناها فلاديمير بوتن .

كان قدامى أعضاء منظمة تضامن يتصورون أن حكمهم سوف يعقب حكم الدكتاتورية الزائل. إلا أن الشيوعيين المذنبين لم يعاقبوا، ولم يكافأ ناشطو منظمة تضامن المخلصين. وعلى هذا فقد مهدت مشاعر الظلم الطريق أمام مشاعر السخط، والحسد، والطاقات الهدامة التي ركزت على الانتقام من الأعداء السابقين والأصدقاء القدامى الذين صادفوا النجاح.

لقد رفض الخاسرون الاعتراف بأن إنجاز الحرية كان بمثابة النجاح الأعظم الذي حققته بولندا طيلة ثلاثمائة عام. ففي نظرهم ظلت بولنداً بلداً تحكمه الأجهزة الأمنية الشيوعية. لقد أصبحت بولندا الحالية في حاجة إلى ثورة أخلاقية قادرة على معاقبة الجريمة ومكافأة الإحسان ورد المظالم.

كانت السبل التي تبنتها الأحزاب التي ينتمي إليها هؤلاء الخاسرون، بعد فوزها في الانتخابات العامة التي جرت في العام 2005، بمثابة مطهر أكيد المفعول. وطبقاً للتقديرات المبكرة كان من المتوقع أن تؤثر عمليات التطهير على 700 ألف شخص وأن تستغرق سبعة عشر عاماً حتى تكتمل. ومن المقرر أن يتم أعداد قائمة بالأسماء المذكورة في تقارير الأجهزة الأمنية ونشرها على عامة الناس. فضلاً عن ذلك، كان لزاماً على كل شخص من هؤلاء السبعمائة ألف الخاضعين للتطهير أن يعلن أنه لم يتعاون مع الأجهزة الأمنية الشيوعية. وهؤلاء الذين يرفضون التوقيع على هذه التصريحات الزائفة كانوا يعرضون أنفسهم للفصل من وظائفهم وحرمانهم من ممارسة مهنهم لمدة عشرة أعوام.

لقد تسبب كل هذا في خلق مناخ من الخوف. إلا أن الخوف لم يلجم ألسن الجميع. فقد أكد الكاردينال دزيوايتز ، كاردينال كراكاو، أن المجال لم يعد مفتوحاً أمام "العقاب، والانتقام، وعدم احترام كرامة الإنسان، وتوزيع الاتهامات جزافاً". لم يسبق من قبل قط منذ سقوط الشيوعية أن استخدم أحد الكرادلة الكاثوليكيين مثل عبارات الإدانة القوية هذه.

كانت أهداف ثورة بولندا السلمية تتلخص في الحرية، والسيادة، والإصلاح الاقتصادي، وليس اصطياد المشتبه بهم أو حتى عملاء الشرطة السرية المعروفين. ولو كانت عملية اصطياد العملاء قد نُـظِـمت في عام 1990، لما كان من الممكن تطبيق الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها ليزيك بالكرويتز أو تأسيس دولة بولندا التي يحكمها القانون. ولما كان من الممكن أن تلتحق بولندا بعضوية منظمة حلف شمال الأطلنطي أو الاتحاد الأوروبي.

اليوم أصبح لبولندا هيئتان متصارعتان. فهناك بولندا الشبهات والمخاوف والانتقام التي تتصارع مع بولندا الأمل والشجاعة والحوار. ولابد وأن تكون الغلبة في النهاية لبولندا الثانية ـ بولندا الانفتاح والتسامح، بولندا يوحنا بولس الثاني و سيزلاو ميلوتز ، بولندا التي تضم أصدقائي من أيام العمل السري والسجون. وأنا لعلى يقين من أن البولنديين سوف يدافعون مرة أخرى عن حقهم في المعاملة الكريمة. وإن قرار المحكمة الدستورية يمنحنا الأمل في امتناع الطور الثاني من أطوار الثورة البولندية عن التهام سبب وجودها، الذي يتمثل في إرادة الحرية، أو وليدها، الذي تجسده الدولة الديمقراطية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured