0

الحاجة الملحة إلى الرعاية الصحية الشاملة

إن التحدي الصحي الأكبر الذي يواجه أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي لا يتمثل في مكافحة مرض بعينه أو حالة بعينها، ولن يتسنى لنا التصدي لهذا التحدي بتوجيه الأموال نحو علاج سلوك خطير دون غيره. فالتحدي ببساطة يتمثل في أن الناس هناك لا يحصلون دوماً على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها.

يعيش العديد من الناس في أماكن نائية بعيدة عن أقرب مركز للرعاية الصحية، والمسافات البعيدة تستهلك الوقت والمال بطبيعة الحال. فضلاً عن ذلك فإن الحواجز الثقافية تؤدي إلى تقييد هؤلاء الذين لا يتحدثون اللغة السائدة، وخاصة في المجتمعات الأهلية الأصلية. وفي حالات أخرى، لا يدرك الناس حاجتهم إلى الرعاية الصحية، أو لا يحرصون على اتباع توجيهات الطبيب. وعلى نحو مماثل، كثيراً ما تشكل المعتقدات الخاطئة عقبة كبرى: على سبيل المثال، يطلق عامة الناس على داء البول السكري ampquot;السكرampquot;، وقد يتصور المصابون بهذا الداء أنهم لا يحتاجون سوى إلى الإقلال من استهلاك السكر.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

تشكل مسألة التمويل عائقاً هائلاً. ففي المكسيك، وقبل الإصلاحات الأخيرة، كان لزاما على ما يقرب من 2-4 ملايين من الأسر المكسيكية إما أن تنفق 30% أو ما يزيد من دخولها أو تسقط إلى ما دون خط الفقر بسبب الإنفاق المتدني على الرعاية الصحية. وكان آخرون يستغنون ببساطة عن الرعاية الصحية المطلوبة.

حين تتاح الرعاية الصحية فإنها إما أن تكون غير كافية أو دون المستوى من حيث الجودة. والأخطاء الطبية شائعة إلى الحد الذي جعل منظمة الصحة العالمية تصدر دليلاً لضمان سلامة المرضى. ولقد أثبتت إحدى دراسات المسح في المكسيك أن المرضى الفقراء، في ظل الرعاية الصحية الخاصة، لا يحصلون على نفس الرعاية التي يحصل عليها الأثرياء، على الرغم من الفوارق البسيطة بين المؤسسات العامة. إلا أن هذا الوضع قد يكون معكوساً في بعض الأحيان، كما أثبتت دراسة أخرى في باراغواي.

إن أفضل الحلول لهذه التحديات ـ وأعظمها كلفة ـ يتلخص في توفير التغطية التأمينية الشاملة.

ولابد من تقديم الخدمات المدعومة بواسطة جهات متخصصة، بصرف النظر عما إذا كانت عامة أو خاصة، أو ما إذا كانت تسعى إلى تحقيق الربح أو لا تسعى إليه. وهذا يعني رفض فكرة الاكتفاء بتوسعة شبكة المؤسسات العامة فقط. إن التفكير العقلاني يتسم بالعملية وليس الإيديولوجية: ذلك أن الجهات الخاصة كثيراً ما تكون متاحة في الأماكن التي تفتقر إلى المؤسسات العامة.

تتبنى ش��لي، والمكسيك، وكولومبيا توجهات مختلفة. ففي شيلي يُـطالَب كل أصحاب الأجور والرواتب بالمساهمة بـِ 7% من أجورهم إما لصالح صندوق الصحة الوطنية أو لصالح جهات تأمينية خاصة. وبطبيعة الحال يميل أصحاب الأجور المتدنية إلى التسجيل لدى النظام العام، والذي يتلقى تمويله أيضاً من العائدات العامة، بحيث يحصل أفقر المواطنين على الدعم الكامل. وحين تضمن وزارة الصحة هناك توفير التدخل الطبي، فلابد وأن تحذو الجهات الخاصة حذوها.

لقد اختارت المكسيك خطة تأمينية موجهة في التعامل مع الأسر المكسيكية التي لا يغطيها نظام التأمين الاجتماعي، والتي هي أفقر من أن تتحمل تكاليف التأمين الخاص. والالتحاق بهذا النظام طوعي. ويتوسع النظام تدريجيا؛ فالمواطنون الأكثر فقراً، والذين يستفيدون من الدعم الكامل، لهم الأفضلية، إلا أنهم مطالبون بالمشاركة في أنشطة تعزيز الصحة. أما الأسر الأكثر ثراءً فإنها تساهم بما يصل إلى 5% من دخولها.

أما كولومبيا فقد بادرت، بدلاً من وضع خطة تأمينية محددة، إلى توفير الظروف الملائمة لنشوء طبقة جديدة من شركات التأمين التي تتنافس على العملاء، فضلاً عن إنشاء آليات تمويل جديدة لتشغيل هذه الشركات. وعلى الرغم من المقاومة السياسية والقيود المالية التي أدت إلى إبطاء توسع هذا النظام، إلا أنه قد يشكل خطة التغطية التأمينية الأكثر شمولاً وقدرة على الانتشار، وذلك لأنه يعمل على تشجيع المنافسة بين كافة أنماط الجهات المقدمة للتأمين الصحي أو الرعاية الصحية.

الحقيقة أن تجارب هذه البلدان الثلاثة تؤكد أن التأمين الشامل لا يقتصر على أسلوب واحد بعينه، وأن المحاولات الجادة لضم غير المؤمَّن عليهم قد تسفر عن نتائج هائلة. فقد نجح نظام التغطية التأمينية في المكسيك في إلحاق 1.7 مليون أسرة مع بلوغه عامه الثاني، بينما نجح النظام في كولومبيا في تغطية أكثر من 13 مليون مواطن خلال العشرة أعوام الأولى من عمره.

من بين الحلول الأخرى، السعي إلى تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة. والحقيقة أنه من الصعب أن نوصي بأسلوب محدد صالح للتطبيق في دولة بعينها، ناهيك عن تطبيقه في كافة بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. إلا أن الدراسات التي أجريت في البلدان التي تتسم الرعاية الصحية المقدمة فيها بتدني الجودة أثبتت أن تدريب مقدمي الخدمة على الأساليب الأساسية المتبعة في تشخيص وعلاج الأمراض الشائعة، من شأنه أن يوفر قدراً عظيماً من التكاليف الإجمالية، حيث يساعد في إنقاذ أرواح الأطفال بتكلفة لا تتجاوز 14 دولاراً أميركيا عن كل طفل.

يتلخص الخيار الثالث في شن حملة معلومات عامة عن الأمراض، وأعراضها، وعوامل الخطر المرتبطة بها. ولكن على الرغم من المبررات القوية التي قد تسوغ شن حملة مكلفة كهذه لمكافحة مرض خطير ومعدي مثل الإيدز، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بأن نفس الأسلوب قد ينجح حين نسعى به إلى تزويد عامة الناس بمعلومات عامة مرتبطة بالصحة.

حتى مع هذا، فإن تقديم خدمات الرعاية الصحية الشاملة من شأنه أن يعمل على نحو شبه مؤكد على دفع المزيد من الناس إلى استشارة الأطباء بشأن الأعراض التي يشعرون بها، وهو ما قد يعزز بالتالي من قوة أي حملة تثقيفية. ولسوف يكون التأثير أعظم إذا ما تم تحسين أساليب التدريب بهدف تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للناس في النهاية.

قد يكون من الصعب على أية جهة أن تخرج بتقييم دقيق للتكاليف اللازمة لتنفيذ أي من هذه المقترحات. والحقيقة أن التأمين الشامل هو الأسلوب الوحيد الذي قد نتمكن من تقييم تكاليفه، ولو بالتقريب.

في كولومبيا، تكلف خطة التأمين حوالي 164 دولاراً عن كل شخص يغطيه التأمين، أو حوالي 83 دولاراً للتغطية المدعومة بالكامل ولكن مع حزمة فوائد أقل سخاءً. ولقد غطت هذه الخطة حوالي ثمانية ملايين كولومبي بالفعل حتى الآن؛ وحيث أن هذا الرقم يشمل المواطنين الأكثر فقراً، فإن المكاسب الصحية المترتبة على هذا النظام لابد وأن تكون أعظم من الزيادة في التكاليف الحقيقية والتي بلغت 11% حتى الآن. وطبقاً للتقديرات فإن تغطية الأربعة عشر مليون مواطن المتبقين سوف يتكلف حوالي 1.6 مليار دولار أميركي.

Fake news or real views Learn More

إن التأثيرات المترتبة على توفير الرعاية الشاملة فيما يتصل بكيفية تغطية تكاليف تقديم الرعاية الصحية قد تكون أعظم من تأثيرها على الحالة الصحية الفعلية: فقد نجحت الإصلاحات الكولومبية في تقليص حصة الأسر الكولومبية في هذه التكاليف بصورة جذرية. لقد أصبح الإنفاق من المال الخاص على الرعاية الصحية اليوم يشكل ربع ما كان عليه منذ عشرة أعوام، كما نجحت هذه الإصلاحات، ولو جزئياً، في إزالة التمييز القديم بين الأثرياء الذين يغطيهم التأمين والفقراء الذين لا يغطيهم التأمين.

حتى بدون تحليل تفصيلي للفوائد المترتبة على هذا النوع من الإنفاق، فمن الواضح أن التغطية التأمينية الشاملة تشكل أهمية عظمى. ولا ينبغي أن يكون مولد المرء فقيراً، أو بين سكان المناطق النائية، سبباً في حرمانه من الرعاية الصحية اللائقة.