0

الدولة القومية من جديد

لقد أصبح من الشائع اليوم أن نسمع من يقول إن الدولة القومية قد فقدت مكانتها. فالعولمة، كما يقال، تعني أن الأمم والشعوب لم تعد قادرة على التحكم في مصائرها وشئونها، وبات لزاماً عليها أن تنضم إلى كيانات أكبر، كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي أو اتحاد دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) أو المجموعة التجارية الجنوب أميركية (Mercosur)، ويتعين على هذه الأمم والشعوب أن تزيد من اعتمادها على المؤسسات العالمية مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.

لكن مثل هذا التصور يشتمل على قدر كبير من المجازفة. وإذا ما تفحصنا الأمر بعناية فلسوف نجد أن المسألة برمتها تثير الريبة، إن لم تكن بعيدة تماماً عن الصحة. ذلك أن الدولة القومية، بمؤشرات قوتها ونقاط ضعفها، ما زالت قائمة وفي حال طيبة.

إذا ما بدأنا بمؤشرات القوة، فلسوف يتبين لنا أن الدولة القومية ما زالت تمثل الحيز السياسي الوحيد الذي قد يزدهر في إطاره دستور الحريات. والمؤهلات الديمقراطية التي تتمتع بها منظمات مثل الاتحاد الأوروبي هي في الواقع محل شك، بل إنها غائبة تمام الغياب في حالة الأمم المتحدة ومؤسسات عالمية أخرى. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من البحث المتواصل عن هويات جديدة، أوروبية أو أميركية لاتينية، أو غير ذلك، وعلى الرغم من الإشارات العديدة إلى العالمية الجديدة، أو حتى "المجتمع المدني العالمي"، إلا أن أغلب الناس لا يشعرون براحة الانتماء إلا في أوطانهم الأصلية ـ أو الدولة القومية التي ينتمون إليها كمواطنين.

إن الهجرة بصورة عامة هي الارتحال إلى دولة أخرى. والعديد من الدول تتباحث في الوقت الحالي حول كيفية دمج المهاجرين في مجتمعاتها. ولكن ما الذي يتطلبه الأمر كي يصبح المرء بريطانياً أو ألمانياً أو أميركياً؟ إن مثل هذه المناقشات والحوارات بشأن الهجرة لا جدوى منها إلا إذا أدركنا أن تحديد مفهوم المواطنة هو في المقام الأول من مهام الدولة.