0

الشرق الأوسط وأوهامه العسكرية

إن المفارقة في أعمال العنف الجارية الآن في إسرائيل وغزة ولبنان تكمن في أن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لم يعد يشكل معضلة كبرى، بل لقد صار الحل منظوراً من جانب كافة الأطراف. فالأغلبية العظمى من الإسرائيليين والفلسطينيين يفضلون إقامة دولتين على أساس الرجوع إلى حدود ما قبل عام 1967. كما أن الدول العربية الكبرى، بما فيها مصر والمملكة العربية السعودية ودول أخرى ترى نفس الرأي. والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في عدم رؤية الحل، بل في الوصول إليه، وذلك لأن قلة قوية، وعنيفة في كثير من الأحيان، تعارض في الجانبين الحل الذي تسانده الأغلبية.

قد يكون ثلاثة أرباع الإسرائيليين والفلسطينيين متلهفين إلى السلام والتسوية، بينما الربع في كل من الجانبين ـ والذي يستمد قوته في أغلب الأحوال من حماسة دينية متطرفة ـ يرغب في تحقيق انتصار كامل على الأخر. فالمتعصبون الفلسطينيون يريدون تدمير إسرائيل، بينما يطالب المتعصبون الإسرائيليون بفرض السيطرة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية، سواء من خلال الاستمرار في الاحتلال أو حتى (في رأي أقلية ضئيلة) بطرد السكان الفلسطينيين بالقوة.

وحين يبدو السلام قريباً وفي المتناول يسارع المتطرفون في أي جانب من الجانبين إلى ارتكاب عمل استفزازي يؤدي إلى تفجر الموقف من جديد، بهدف تحويل المسار عن العملية السلمية. وقد يتضمن الأمر في بعض الأحيان صراعاً صريحاً بين المعتدلين والمتطرفين على الجانب الواحد، وأذكر هنا حادثة اغتيال رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين بيد متعصب ديني إسرائيلي حين كانت مفاوضات السلام قد أحرزت تقدماً ملموساً. وفي أحيان أخرى قد يتضمن الأمر هجمة إرهابية ينفذها متطرفون فلسطينيون ضد مدنيين إسرائيليين، على أمل تحريض الجانب الإسرائيلي على الرد بعنف مبالغ فيه، على نحو يؤدي إلى انهيار عملية بناء الثقة بين المعتدلين في كل من الجانبين.

إن المعتدلين في كل من الجانبين يخوضون معركة يومية مع المتطرفين في نفس جانبهم، والذين يزعمون أن التسوية أمر مستحيل. ويصر المتطرفون الإسرائيليون أن كل الفلسطينيين عازمون على تدمير دولة إسرائيل، ويستشهدون بالتفجيرات الانتحارية وعمليات الاختطاف التي ينفذها الفلسطينيين كدليل على أن السلام مع الجانب الآخر في حكم المستحيل. وتستمع منهم إلى نغمة دائمة: "لا يوجد شريك سلام على الجانب الفلسطيني".