2

وسائل الإعلام ضد المرضى عقليا

ملبورن ــ كان سجل جيمس هولمز، المتهم بإطلاق النار في إحدى دور السينما المزدحمة بالرواد في أوروا بولاية كولورادو الصيف الماضي، خاوياً من أي تاريخ إجرامي، ولكنه كان يراجع طبيباً نفسياً قبل الحادث. ولم يتورط آدم لانزا، المشتبه فيه بقتل والدته وإطلاق النار على عشرين طفلاً وستة من الموظفين في مدرسة كونيتيكيت الابتدائية قبل أن يقتل نفسه، في أي متاعب قانونية من قبل قط، ولكن سبق تشخيص حالته بأنه مصاب "باضطراب في الشخصية"، فضلاً عن اضطراب النمو المعروف بمتلازمة أسبرجر. وتستمر قائمة المتورطين في حالات قتل جماعي موثقة وفقاً للمرض العقلي الذي يعاني منه القَتَلة في هذه الحالات: أندرس بيرينج بريفيك في النرويج، وجاريد لي لونر في ولاية أريزونا، وسيونج هوي تشو في ولاية فيرجينيا، وهكذا.

الواقع أن اتخاذ القرار بقتل عدد ضخم من الأبرياء عشوائياً يعكس تفكيراً شديد الاضطراب، وهو ما قد يعكس بدوره مرضاً عقليا. ولكن خلافاً للاعتقاد السائد فإن هذا لا يعني أن أي شخص مصاب بمرض عقلي من المرجح أن يكون خطيراً أو عنيفا. ومن الواضح أن الاعتقاد بأن المرضى العقليين يتسمون بالخطورة والعنف ــ والتقارير التي ترسخ هذا الاعتقاد ــ يعزز على نطاق واسع الاتجاه إلى وصم المصابين بمرض عقلي بالعار، وزيادة معاناتهم، ومنعهم من المشاركة في المجتمع بشكل كامل.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

والواقع أن التصورات العامة لخطر العنف المرتبط بالمرض العقلي تتناقض مع الحقائق بشكل واضح. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يعتقد نحو 42% من البالغين أن الطفل المكتئب من المرجح أن يكون خطيرا. ويعتقد 70% من الأميركيين أن المريض المقيم في المستشفى بسبب مرض عقلي ربما يكون خطيرا. ولكن وفقاً للجمعية الأميركية للطب النفسي، فإن الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية، والذين يشكلون نحو ربع السكان في أي وقت، يرتكبون ما لا يتجاوز 4% إلى 5% من جرائم العنف. بل وبرغم أن المريض العقلي قد يكون أكثر ميلاً إلى ارتكاب أعمال عنف إذا لم يعالج، أو إذا أساء استخدام الكحول أو المخدرات، فإن الخطر ضئيل في مجمله.

والتجربة الشخصية تدحض عادة الصلة بين المرض العقلي والعنف. فقد خلصت دراسة مسح للرأي العام في الولايات المتحدة إلى أنه برغم أن 68% من البالغين يعرفون على الأقل شخصاً واحداً دخل المستشفى بسبب مرض عقلي، وأن 10% يعرفون خمسة أشخاص على الأقل بهذا الوصف، فإن 9% فقط من المشاركين في الدراسة استشعروا تهديداً أو لحق بهم أذى بدني على يد مثل ذلك الشخص. والواقع أن الأشخاص الذين تربطهم صلة وثيقة بمرضى عقليين، مثل العاملين في مجال الصحة النفسية أو أفراد أسر المرضى، هم الأقل ميلاً إلى الاعتقاد بأن هؤلاء المرضى يشكلون خطورة.

يرجع هذا التناقض بين التجربة والتصور بشكل كبير إلى وسائل الإعلام، التي كثيراً ما تربط بين المرض العقلي وأعمال العنف. ولقد وجدت أحدى الدراسات لتقارير الصحف الأميركية أن 39% من التقارير المتعلقة بالمرض العقلي كانت تركز على العنف أو الخطر. وفي ألمانيا، كانت التقارير المكثفة حول هجمات عنيفة ضد ساسة بارزين، نفذها شخصان مصابان بمرض انفصام الشخصية في عام 1990، سبباً في ترسيخ اعتقاد بين عامة الناس في ألمانيا بأن المريض العقلي شخص خطير.

إن التغطية الإعلامية لأعمال العنف التي تسفر عن مقتل عِدة أشخاص تتسم بالكثافة بشكل خاص. وبطبيعة الحال، يسعى عامة الناس إلى استخلاص أي تفسير لمثل هذه الأفعال، ولا شك أن وسائل الإعلام لن تتردد في استكشاف أي ارتباط محتمل بالمرض العقلي لتقديم ذلك التفسير ــ على سبيل المثال، روايات المعارف عن السلوك "الغريب" للجاني وانسحابه اجتماعيا، أو حكايات عن استعانته بمهنيين عاملين في مجال الصحة العقلية.

ومن ناحية أخرى، قد يحاول محامو الدفاع التخفيف من ذنب المتهمين الذين يدافعون عنهم من خلال ادعاء جنونهم، كما حاول محامو بريفيك بعد أن قتل 77 شخصاً احتجاجاً على التعددية الثقافية التي يزعم أنها تهدد النرويج. ورغم أن مثل هذه المحاولات نادراً ما تنجح ــ صدر الحكم في حق بريفيك بالسجن لمدة 21 عاما ــ فأن تكرار الحديث عنها على نطاق واسع يساعد في الربط بين الجريمة والمرض العقلي في أذهان عامة الناس.

إن تصور المريض العقلي على أنه شخص خطير أمر منتشر على مستوى العالم. ولكنه أكثر انتشاراً في الدول النامية عنه في الدول المتقدمة. وتُعد الولايات المتحدة الاستثناء الرئيسي لهذه القاعدة، حيث تساهم سهولة الحصول على الأسلحة النارية في واحد من أعلى معدلات جرائم القتل على الإطلاق ــ وأعلى معدلات القتل بأسلحة نارية ــ بين الدول المتقدمة.

ولأن جرائم القتل الجماعي في الولايات المتحدة تجتذب اهتماماً دوليا، فإن التقارير الإعلامية التي تسلط الضوء على مرض الجاني عقليا، أو تصف محاولات ادعاء المرض العقلي، تعمل على ترسيخ التصورات المتصلة بالمرض النفسي على مستوى العالم. فقد اجتذبت الحادثة التي أطلق فيها لونر النار على تسعة عشر شخصاً في عام 2011، بما في ذلك نائبة الكونجرس جابرييل جيفوردز، اهتماماً عالميا، وكذلك فعل الأمر الذي أصدرته المحكمة بتقييم أهليته العقلية.

فعلى الجانب الآخر من العالم، ذكرت صحيفة "الأسترالي" الأسترالية اسم النائبة جيفوردز 160 مرة في الأشهر الستة التي أعقبت حادثة إطلاق النار، مقارنة بمرة واحدة فقط في الأشهر الاثني عشر التي سبقتها. ورغم أن حالات إطلاق النار على مجموعة من الناس حدث نادر للغاية حتى في الولايات المتحدة، فإن التغطية الإعلامية تعمل باستمرار على ترسيخ تصورات سلبية في الداخل والخارج. وبهذه الطريقة، فإن الولايات المتحدة ربما تصَدِّر وصمة المرض العقلي لبقية العالم.

وعلى نحو مماثل، نوقش تاريخ المرض العقلي في حالة تشو على نطاق واسع. وبعد عامين، نُشِرَت سجلات صحته العقلية علنا، الأمر الذي أدى إلى إحياء الصلة بين جرائمه ــ قتل 32 شخصاً وإصابة 17 بجراح قبل أن ينتحر ــ ومرضه العقلي.

Fake news or real views Learn More

وفي هذا السياق فإن الجهود التي يبذلها الرئيس الأميركي باراك أوباما من أجل فرض السيطرة على الأسلحة النارية ــ والتي تتضمن تكثيف متطلبات التحقق من الخلفية وزيادة تمويل برامج الصحة العقلية للشباب ــ تنطوي على أهمية عالمية. ففي حين يُعَد توسيع مجال خدمات الصحة العامة خطوة إيجابية، فضلاً عن مساهمته في تعزيز سلامة المواطنين الأميركيين البدنية، فمن الأهمية بمكان أن لا يُسمَح لهذا الارتباط بتغذية التصورات بأن المصاب بمرض عقلي شخص خطير. بل يتعين على المشرعين الأميركيين والقائمين على المنافذ الإعلامية أن يستخدموا نفوذهم الدولي للحد من وصمة العار التي لحقت بالأشخاص الذين يعانون من المرض العقلي في مختلف أنحاء العالم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali