0

المفارقة الديمقراطية الإسلامية

إن الغضب الذي يعم العالم العربي الآن بسبب نشر رسوم كاريكاتورية (منذ شهور) في الدنمرك تصف النبي محمد، علاوة على فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، والتعصب المتزايد الذي تتبناه السياسة الإيرانية، جعل من "الإسلام السياسي" قضية جوهرية في عالم الدبلوماسية الدولية. لكن ردود الفعل المفصلة بحيث تلائم كل الظروف لن يكتب لها النجاح في التعامل مع هذه القضية. وينبغي علينا أن نتخلى عن فكرة وجود حركة إسلامية عالمية شاملة.

لقد نشأ الإسلام السياسي بكافة أشكاله وألوانه كبديل أساسي للأنظمة القومية العربية العلمانية التي تبخرت شرعيتها، التي كانت تستند إلى النضال من أجل التحرير الوطني، بسبب عجزها عن التوصل إلى حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ حكم القانون، وضمان الحريات الأساسية. ففي فلسطين على سبيل المثال انتصر الإسلاميون على منظمة فتح بسبب سنوات من الحكم الرديء في ظل ظروف قاسية ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي.

تشترك الحكومات الأوروبية والأميركية المتعاقبة في مخاوفها الرجعية بشأن "البديل الإسلامي" الذي قد يحل محل الحركات القومية العلمانية العربية من أمثال منظمة فتح. وعلى هذا فقد حرصت تلك الحكومات دوماً على الإبقاء على الحالة الراهنة. لكن قمع كافة الحركات العربية المعارضة من قِـبَل الملوك والحكام العلمانيين الاستبداديين في المنطقة أفضى إلى نتيجة واحدة: ألا وهي أن هدف "حماية المسجد الأقصى" أصبح يشكل المظلة الوحيدة التي يستطيع أي مواطن عربي من خلالها الانخراط في العملية السياسية.

والآن لم يعد في وسع أحد احتواء الإسلام السياسي، وذلك لأن الديمقراطية ليس من الممكن أن تبنى عن طريق دفع الأحزاب السرية التي تتمتع بقاعدة اجتماعية قوية، كما تأكد لنا بصورة مأساوية في الجزائر منذ خمسة عشر عاماً. إن البديل الوحيد للحكم الاستبدادي يتلخص في تنشيط حالة انتقالية تسمح للإسلاميين بالمشاركة في الحياة العامة وتشجعهم على القبول المطلق لقواعد اللعبة الديمقراطية.