0

رب الآلام

برينستون ـ هل نعيش في عالم من خلق إله كلي القدرة تام المعرفة كامل الخير؟ المسيحيون يعتقدون هذا. ولكن ثمة سبب قوي يواجهني في كل يوم ويدفعني إلى الشك في هذا: فالعالم يشتمل على كم هائل من الألم والمعاناة. وإذا كان الرب تام المعرفة فهو يدرك حجم المعاناة التي يعيشها الناس. ولو كان كلي القدرة لكان بوسعه أن يخلق عالَماً خالياً من كل هذا القدر من المعاناة ـ وكان ليفعل ذلك لو كان كامل الخير.

يرد المسيحيون على هذا عادة بأن الرب منحنا نعمة الإرادة الحرة، وهو على هذا ليس مسئولاً عما نرتكبه من أعمال الشر. إلا أن هذا الرد لا يفسر لنا عذاب هؤلاء الذين يموتون غرقاً في الفيضانات، أو أولئك الذين يحترقون حتى الموت في حرائق الغابات التي تندلع بفعل البرق، أو الذين يموتون جوعاً أو عطشاً أثناء القحط.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ويحاول المسيحيون أحياناً تفسير هذه المعاناة بأن كل البشر خطَّاءون، ولهذا فهم يستحقون مصيرهم، حتى ولو كان ذلك المصير رهيباً. إلا أن الرُضَّع وصغار الأطفال يعانون بنفس القدر ويموتون بسبب الكوارث الطبيعية، مثلهم في ذلك كمثل البالغين. ومن المستحيل أن نزعم أنهم يستحقون المعاناة والموت.

ومرة أخرى يقول بعض المسيحيين أننا ورثنا جميعاً الخطيئة الأصلية التي ارتكبتها حواء، التي تحدت أمر الرب بعدم الأكل من شجرة المعرفة. وإنها لحجة توقع الاشمئزاز والنفور في النفس، لأنها تعني ضمناً أن المعرفة شر، وأن معصية إرادة الرب هي أعظم الخطايا على الإطلاق، وأن الأطفال يرثون خطايا أسلافهم وقد يعاقبون تكفيراً عن تلك الخطايا.

وحتى إذا ما قبلنا كل هذا، فإن المشكلة تظل قائمة. إذ أن الحيوانات أيضاً تعاني بسبب الفيضانات، والحرائق، والقحط، وبما أنها لا تنحدر من آدم وحواء، فليس من الممكن أن نعتبرها من ورثة الخطيئة الأصلية.

في عصور سابقة، حين كانت مسألة الخطيئة الأصلية تؤخذ على محمل الجد أكثر من يومنا هذا عموماً، كانت مسألة معاناة الحيوانات تفرض مشكلة صعبة بالنسبة للمسيحيين المجبولين على التفكير المتأمل بصورة خاصة. ذهب فيلسوف القرن السابع عشر الفرنسي رينيه ديكارت في حل هذه المشكلة إلى الذريعة المتطرفة المتمثلة في إنكار شعور الحيوانات بالألم والمعاناة. ثم زعم أن الحيوانات مجرد آلات تتسم بالإبداع في صنعها، ولا ينبغي لنا أن نعتبر صرخاتها ومعاناتها كإشارة إلى الألم، تماماً كما لا نستطيع أن نعتبر صوت جرس المنبه كإشارة إلى أن المنبه يتمتع بالشعور والإدراك. الحقيقة أن كل من يربي كلباً أو هرة ليس من المرجح أن يقتنع بمثل هذه الحجج.

في الشهر الماضي زرت جامعة بيولا في جنوب كاليفورنيا، واشتركت في مناظرة مع المفكر المحافظ دينيش داسوزا حول مسألة وجود الرب. كان داسوزا أثناء الأشهر الأخيرة قد أعلن عن استعداده لمناظرة الملحدين البارزين، ولكنه هو أيضاً كان يحاول جاهداً العثور على حل مقنع للمشكلة التي عرضتها آنفاً.

في البداية زعم أن معاناة البشر في هذا العالم لا تشكل أهمية كبرى لأن حياتنا فيه ليست الحياة الوحيدة التي نعيشها، إذ أن البشر من الممكن أن يخلدوا في الفردوس. إلا أن هذا ما زال لا يفسر لنا لماذا يسمح رب كلي القدرة وكامل الخير بأمر كهذا. فرغم ما يبدو من قلة أهمية مثل هذه المعاناة نسبياً من منظور الخلود، إلا أن العالم كان ليصبح مكاناً أفضل بدونها، أو على الأقل بدون أغلبها. (يزعم البعض أننا لابد وأن نشعر بقدر من المعاناة حتى يصبح بوسعنا تقدير ��لشعور بالسعادة. ربما، ولكن من المؤكد أننا لا نحتاج إلى كل هذا القدر من المعاناة).

وزعم داسوزا أنه ما دام الرب هو الذي وهبنا الحياة فإننا لسنا في مركز يسمح لنا بالشكوى والتذمر إن لم تكن حياتنا كاملة أو مثالية. ثم استشهد بمثال الطفل الذي يولد بدون أحد أطرافه، فقال: ampquot;ما دامت الحياة في حد ذاتها هبة فإننا لا نُـظلَم حين نُـعطى أقل مما قد نحتاج إليهampquot;. وفي ردي على هذه الحجة أشرت إلى أننا ندين الأمهات اللاتي يلحقن الأذى بأطفالهن بتعاطي المشروبات الكحولية أو الكوكايين أثناء الحمل. ولكن ما دمن قد وهبن الحياة لأطفالهن فمن المنطقي، طبقاً لوجهة نظر داسوزا ، ألا نلومهن على ما فعلن.

Fake news or real views Learn More

في النهاية تراجع داسوزا ، كما يفعل العديد من المسيحيين حين يتعرضون للضغط، إلى الحجة القديمة التي تقول إننا لا يجوز لنا أن نتوقع فهم حكمة الرب في خلق العالم كما هو عليه. فالأمر كأننا نتوقع من نملة أن تفهم قراراتنا، فما نتمتع به من ذكاء ضئيل للغاية مقارنة بحكمة الرب المطلقة غير المحدودة. (وهي نفس الإجابة التي وردت في سِـفر أيوب ولكن بأسلوب شعري). ولكننا بمجرد أن نتنازل عن قدرتنا على الفهم على هذا النحو فقد نصدق أي شيء على الإطلاق.

فضلاً عن ذلك فإننا بتأكيدنا على ضآلة ذكائنا مقارنة بحكمة الرب نسلم ضمناً بالنقطة الأصلية محل النقاش ـ وجود رب كلي القدرة تام المعرفة كامل الخير. والحقيقة أن الأدلة الماثلة أمام أعيننا لابد وأن تجعلنا أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن العالم لم يُـخلَق بواسطة أي رب. ولكن إن كنا مصرين على الاعتقاد في الخلق المقدس، فلابد وأن نعترف بأن الرب الذي خلق الكون ليس من الممكن أن يكون كلي القدرة وكامل الخير. بل إنه إما إله شرير أو صانع غير بارع.