0

هشـاشـة عـالـم منبسط

إن العالم مُـسَـطَّح! هكذا يقول الكاتب توماس فريدمان الذي اختار ذلك العنوان الاستفزازي لكتابه الذي تصدر قائمة أفضل الكتب مبيعاً، وذلك لتنبيه الناس إلى التأثيرات الهائلة التي تخلفها التكنولوجيا على اقتصاد العالم. فالمسافات تتقلص، والحواجز الجغرافية لم تعد توفر الحماية المتوقعة. وعمال التصنيع ومحترفي التكنولوجيا المتطورة في أوروبا وأميركا على السواء يواجهون تحدياً يتمثل في المنافسة العالمية. والمستهلكون الغربيون الذين يتصلون بشركة محلية سوف يرد عليهم في أغلب الظن شخص ما في الهند.

أشار المتشككون إلى القيود التي تحدد النطاق الذي تنطبق عليه هذه الاستعارة التي ساقها فريدمان . وعبر عن ذلك أحد المتشككين حين قال: "إن العالم ليس مسطحاً منبسطاً، بل إنه مدبب". والحقيقة أننا إذا أعددنا خريطة كنتورية للنشاط الاقتصادي للعالم فلسوف تظهر هذه الخريطة جبالاً من الرخاء والعديد من الوهاد التي تمثل المناطق المحرومة. فضلاً عن ذلك فإن المسافة ستكون بعيدة كل البعد عن الاستواء. وحتى الدول المجاورة ذات الحواجز الجمركية المنخفضة، مثل كندا والولايات المتحدة، أصبحت تكثر من التجارة الداخلية مقارنة بالتجارة عبر الحدود. فمدينتان مثل سياتل وفانكوفر قريبتان جغرافياً، لكن فانكوفر تتاجر على نحو أكثر كثافة مع تورنتو مقارنة بتجارتها مع مدينة سياتل القريبة منها.

ولكن على الرغم من هذا الانتقاد إلا أن فريدمان يؤكد نقطة على قدر كبير من الأهمية. فالعولمة التي نستطيع تعريفها باعتبارها اعتماداً متبادلاً بين أطراف مختلفة على مسافات قارية، هي في واقع الأمر قديمة قِـدَم التاريخ الإنساني. وأستشهد على ذلك بهجرات الشعوب والأديان، والتجارة عبر طرق مثل طريق الحرير القديم الذي كان يربط بين أوروبا القرون الوسطى وآسيا. لكن العولمة اليوم مختلفة، لأنها أصبحت أكثر سرعة وأشد غلظة وكثافة.

بعد الانتهاء من مد أول كابل بحري عبر المحيط الأطلنطي في عام 1868، أصبح بوسع أوروبا وأميركا الاتصال خلال دقيقة. وفي عام 1919، وصف رجل الاقتصاد جون ماينارد كينـز احتمالات قيام رجل إنجليزي في لندن باستخدام الهاتف في الصباح ليطلب سلعاً من أي مكان في العالم فتسلم إليه بعد الظهر. لكن الرجل الذي وصفه كينـز كان رجلاً ثرياً، وعلى هذا فهو يعد استثناءً. أما اليوم فقد أصبح بوسع مئات الملايين من البشر في كل أنحاء العالم الوصول إلى السلع العالمية في متاجرهم المحلية الكبرى.