0

الانحدار الأخير للغرب

باريس ـ تُرى هل يتحدث علماء الديموغرافيا في عام 2040/2050 عن "عُزلة الرجل الأبيض" على النحو الذي أشار به المؤرخون ذات يوم إلى "عبء الرجل الأبيض" في وصف "المسؤوليات الاستعمارية" المزعومة الواقعة على بعض الدول الأوروبية؟

إن علم الديموغرافيا ليس بالعلم الدقيق. فقد تبين خطأ عدد لا يحصى من التوقعات المتشائمة، من تنبؤات توماس مالتوس إلى تكهنات نادي روما. ولكن طبقاً لمقال مقنع للغاية نُشِر مؤخراً في مجلة الشئون الخارجية، فهناك ميل ديموغرافي اقتصادي مزدوج يحدث الآن ومن المنتظر أن يسفر عن تحولات مذهلة بحلول منتصف هذا القرن. فسوف يشكل العالم الغربي 12% فقط من سكان العالم، وسوف يتقلص تعداد الأوروبيين إلى 6% فقط من تعداد سكان العالم. (في عام 1913، وقبل عام واحد من اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان عدد سكان أوروبا أكثر قليلاً من عدد سكان الصين). وعلى المستوى الاقتصادي فسوف يمثل الغرب حوالي 30% من الناتج العالمي ـ وهو المستوى الذي يماثل حصة أوروبا في القرن الثامن عشر، والتي هبطت من 68% في عام 1950.

إن ما نشهده الآن من الممكن أن يُنظَر إليه بوصفه عودة إلى الماضي، مع عودة الغرب إلى مكانته القديمة في العالم قبل أن تبدأ الصين عملية الانحدار التاريخي الطويلة عند بداية القرن التاسع عشر. إن الفترة الطويلة من الهيمنة الغربية على العالم تشرف على نهايتها الآن، وهي النهاية التي شجعتها وعجلت بها أخطاء الغرب وسلوكه غير المسؤول. ولقد أصبحنا اليوم على أعتاب دورة، حيث يقل عدد الغربيين نسبياً، ويرتفع عدد الأفارقة وسكان الشرق الأوسط، فضلاً عن ارتفاع عدد سكان آسيا ـ مع ازدياد مشاركتهم على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي على مستوى العالم.

وحين نضع هذه الأرقام في اعتبارنا فلابد وأن نتذكر أن باراك أوباما اتخذ قراراً بعدم المشاركة في القمة الأوروبية الأميركية المقبلة والتي كان من المفترض أن تُعقَد في مدريد في شهر مايو/أيار. وقد يكون من المغري أن نستخدم الصيغة التي ابتكرت أثناء الحرب الباردة لوصف التطور النسبي للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وتطبيق فكرة "الانحدار النسبي" على العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. والواقع أن أميركا التي ربما تمر الآن بعملية من الانحدار النسبي، إن لم يكن الانحدار المطلق، اختارت أن تتجاهل أوروبا التي لم تعد في نظر الولايات المتحدة تمثل مشكلة مقارنة بآسيا أو الشرق الأوسط، وهذا لا يقدم لنا إلا أقل القليل من العون في البحث عن حلول للمشاكل الأكثر إزعاجاً للأميركيين.