0

سقوط القوة المفرطة

إذا ما أنصتنا باهتمام إلى تصريحات المسئولين في إسرائيل وكوريا الشمالية هذه الأيام، فلسوف ندرك إن ما يلمحون إليه لا يقل في الواقع عن تحول جذري في النظام الدولي: تحول من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب.

فالإسرائيليون الآن يحاولون إعادة اكتشاف أوروبا بعد أن أدركوا بالغريزة أنهم لم يعد بوسعهم الاعتماد بصورة كاملة على الضمانة الأمنية المطلقة المتمثلة في التوليفة التي توفرها لهم الولايات المتحدة من الدعم الإيجابي والسلبي. ولقد أتت الحرب في لبنان، والتي تسببت في قدر عظيم من الإحباط لإسرائيل، لكي تعجل بهذا التحول البارع. والحقيقة أن أوروبا بمختلف أطيافها أصبحت اليوم قادرة على الاضطلاع بدور رائد في تجميع قطع الأحجية في منطقة الشرق الأوسط.

مما لا شك فيه أن أميركا ما زالت بمثابة وثيقة التأمين على الحياة بالنسبة لإسرائيل، إلا أن تنوع التحالفات الدبلوماسية بدأ يشكل عاملاً حاسماً في نظر الدبلوماسيين الإسرائيليين، إن لم يكن في نظر المجتمع الإسرائيلي ككل. فقد كان المعتاد أن يُـنْـظَر إلى الهيئة الرباعية (المؤلفة من الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) باعتبارها "طرف واحد يسانده ثلاثة أطراف"، إلا أن هذا الوضع قد تغير. فلم تعد كل من أوروبا وروسيا تنظر إلى نفسها كلاعب ثانوي، بعد أن اتضحت حاجة الولايات المتحدة وإسرائيل إليهما.

أما كوريا الجنوبية فتعتمد على الصين في التعامل مع أزمة كوريا الشمالية النووية. وهي أيضاً ترى العالم من خلال منظور لا يقلل من الأهمية الأساسية لأميركا، إلا أن هذا المنظور لا يحتفظ لها بنفس المكانة المتفوقة التي كانت لها من قبل. ومؤخراً قام أحد كبار المسئولين في كوريا الجنوبية بإعداد قائمة متدرجة بالدول التي تمثل أهمية كبرى بالنسبة لأزمة كوريا الشمالية النووية. فجاءت الصين في المرتبة الأولى، ثم أعقبتها الولايات المتحدة، ثم روسيا، ثم اليابان، ثم كوريا الجنوبية، بينما غابت أوروبا عن القائمة.