9

أوروبا تتآكل

برلين ــ قبل بضعة أسابيع، بدا الأمر وكأن أسوأ ما في الأزمة المالية الأوروبية قد ولى وانتهى، وبدأ الاستقرار يعود. ولكن المظاهر كانت خداعة بالفعل. فعندما اقترنت مشكلة بسيطة (على الأقل في حجمها) مثل مشكلة قبرص بدرجة تكاد لا تصدق من انعدام الكفاءة بين "الترويكا" (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي)، كان ذلك كافياً لتحويل معضلة صغيرة إلى أزمة هائلة.

ورغم أن الأسواق احتفظت بهدوئها، فإن أزمة قبرص كشفت عن المدى الكامل للكارثة السياسية التي تشكلت بفعل أزمة منطقة اليورو: التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي قلباً له. إن أزمة الثقة الحالية التي يعيشها الأوروبيون في كل ما يتعلق بأوروبا أشد خطراً من تجدد القلق في السوق، لأن التغلب عليها غير ممكن بضخ قدر إضافي من السيولة من قِبَل البنك المركزي الأوروبي.

كان النظام السياسي القديم في أوروبا يقوم على المنافسة، وعدم الثقة، والخصومات المتصلة بالسلطة، وفي نهاية المطاف، الحرب بين الدول ذات السيادة. وقد انهار هذا النظام في الثامن من مايو/أيار من عام 1945، وحل محله نظام يقوم على الثقة المتبادلة، والتضامن، وسيادة القانون، والحلول الوسط. ولكن مع تآكل هذه الأساسات بفعل الأزمة، بدأت الثقة تفسح المجال أمام انعدام الثقة، واستسلم التضامن للتحيزات القديمة (بل إن أشكالاً جديدة من الكراهية نشأت بين الجنوب الفقير والشمال الثري)، ويطغى الإملاء على التسوية والحلول الوسط. وأصبحت ألمانيا من جديد في قلب عملية التفكك.

وهذا لأن ألمانيا، صاحبة الاقتصاد الأضخم على الإطلاق في أوروبا، فرضت استراتيجية للتغلب على أزمة منطقة اليورو كانت ناجحة بالنسبة لألمانيا في بداية الألفية، ولكن في ظل ظروف اقتصادية داخلية وخارجية مختلفة تماما. وبالنسبة لدول جنوب أوروبا المكروبة، فإن المزيج الذي تدعمه ألمانيا من التقشف والإصلاح البنيوي أثبت كونه قاتلا، لأن المكونين الحاسمين الثالث والرابع ــ تخفيف أعباء الديون والنمو ــ مفقودان.