3

أخلاقيات الطعام

يتوقع بعض الخبراء أن يتضاعف الاستهلاك العالمي للحوم بحلول عام 2020. ومع ذلك ففي أوروبا وأميركا الشمالية هناك قلق متزايد بشأن الأخلاقيات المتصلة بطريقة إنتاج اللحوم والبيض. فقد هبط استهلاك لحوم العجول بصورة حادة منذ أصبح معروفاً على نطاق واسع أن العجول حديثة الولادة تُـفْـصَل عن أمهاتها عمداً بهدف إصابتها بالأنيميا، وتُـحْـرَم من الأطعمة الليفية، وتحتجز في مرابط ضيقة إلى الحد الذي تعجز معه عن السير أو حتى الاستدارة، وكل ذلك من أجل إنتاج ما يطلق عليه "لحم العجل الأبيض" ـ الذي هو في الواقع وردي باهت.

كان مرض جنون البقر قد أصاب العديد من الناس بالصدمة في أوروبا، ليس فقط لأنه أدى إلى تحطيم صورة لحوم الأبقار باعتبارها طعاماً آمناً وصحياً، بل لأنهم أدركوا أيضاً أن نشأة المرض كانت بسبب إطعام الماشية أمخاخ الخراف وأنسجتها العصبية. لقد اكتشف الناس، الذين صدقوا بسذاجة أن الأبقار كانت تتغذى على الحشائش والأعشاب، أن الماشية من أبقار مرابي التسمين المغلقة تتغذى على أي شيء بداية من الذرة إلى مسحوق السمك، وبقايا الدجاج (بالإضافة إلى فضلات الدجاج)، فضلاً عن نفايات المجازر.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن الانزعاج بشأن الطريقة التي نعامل بها حيوانات المزارع لا يقتصر على النسبة الضئيلة من النباتيين الذين لا يأكلون اللحوم، أو حتى الذين لا يأكلون المنتجات الحيوانية على الإطلاق. فعلى الرغم من الحجج الأخلاقية القوية التي يسوقها النباتيون إلا أن هذا التوجه لم يتحول بعد إلى تيار سائد في مجتمعاتنا. ذلك أن وجهة النظر الأكثر شيوعاً الآن تجد لنا العذر في تناول اللحوم كطعام ما دامت الحيوانات تعيش حياة لائقة قبل أن تقتل.

المشكلة هنا، كما وصفتها أنا و جيم ماسون في كتابنا الذي صدر حديثاً بعنوان "الطريقة التي نتناول بها الطعام"، تكمن في أن المرابي الصناعية تنكر على الحيوانات حتى الحد الأدنى من أسباب الحياة اللائقة. ذلك أن عشرات المليارات من الدجاج الذي ينتج اليوم لا تخرج من حظائرها أبداً. فهي تربى على تناول الغذاء بشهية نهمة لاكتساب الوزن في أقصر وقت ممكن، ثم تحتجز في حظائر تتسع كل منها لأكثر من عشرين ألف طائر، حتى أن غاز النشادر الذي يعبق جو الحظيرة نتيجة للفضلات المتراكمة يلسع العينين ويؤذي الرئتين. وحين تذبح الدجاجات ولم يتجاوز عمرها الخمسة والأربعين يوماً بعد، فإن عظامها غير الناضجة تكاد لا تحمل ثقل أجسامها، حتى أن بعض الدجاجات تنهار وتعجز عن الوصول إلى الطعام أو الماء فينتهي بها الحال إلى الموت السريع.

وتتفاقم الظروف سوءاً بالنسبة للدجاجات البيّاضة التي يتم حشدها في أقفاص سلكية ضئيلة المساحة إلى الحد الذي تعجز معه الدجاجة عن فرد أجنحتها حتى ولو كانت بمفردها في القفص. لكن كل قفص يضم عادة أربع دجاجات على الأقل، بل وما يزيد على ذلك في كثير من الأحوال. وتحت هذه الظروف الحاشدة فمن المرجح أن تبادر الطيور الأشد سيطرة وعدوانية إلى نقر الدجاجات الأكثر ضعفاً في القفص حتى الموت. ولكي يتجنب المنتجون وقوع مثل هذه الأحداث فإنهم يعمدون إلى تثليم مناقير الطيور باستخدام نصل حار. ومن المعروف أن منقار الدجاجة يحتوي على قدر ضخم من الأنسجة العصبية ـ فهو الوسيلة الرئيسية التي يتواصل بها الطائر مع بيئته ـ إلا أن هذه العملية تتم دون استخدام مخدر أو مسكن لتخفيف الألم.

قد تكون الخنازير هي الأكثر ذكاءً وحساسية من بين الحيوانات الداجنة التي نأكلها. وحين تطوف الخنازير بحثاً عن الطعام في قرى الريف فإنها بهذا تمارس ذلك الذكاء وتستكشف بيئتها المتنوعة. وقبل أن تضع أنثى الخنزير صغارها فإنها تستخدم القش وأوراق الشجر والأغصان لبناء مأوي مريحة وآمنة حيث تستطيع احتضان صغارها الوليدة.

ولكن اليوم في مرابي الصناعة يحتجز المربون إناث الخنازير الحبلى في صناديق ضيقة إلى حد تعجز معه عن الاستدارة أو حتى السير لأكثر من خطوة إلى الأمام أو خطوة إلى الخلف. كما ترقد الخنازير على الخرسانة المسلحة العارية دون قش أو أي شكل من أشكال الفراش. وتنتزع صغار الخنازير من الإناث في أقرب وقت ممكن حتى تصبح مستعدة للحمل من جديد، لكنها لا تغادر الحظيرة طيلة حياتها إلى أن تؤخذ إلى المجزر.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يزعم المدافعون عن طرق الإنتاج هذه أنها طرق تدعو إلى الأسف لكنها ضرورية في ظل الحاجة إلى تغطية الطلب المتنامي من قِـبَل سكان يتزايدون باستمرار. إلا أن الحقيقة مغايرة لهذا الزعم تماماً. وذلك لأننا حين نحتجز الحيوانات في المرابي الصناعية يصبح لزاماً علينا أن ننتج الطعام اللازم لتغذيتها. كما تحرق الحيوانات أغلب الطاقة التي تستمدها من الغذاء لمجرد التنفس والحفاظ على حرارة أجسادها. وهذا يعني أننا لن نحصل في النهاية إلا على قسم ضئيل من قيمة الغذاء الذي نطعمها إياه ـ ولا يتجاوز هذا القسم الثلث، بل ويتضاءل في بعض الأحيان بحيث لا يتجاوز العشر. وعلى النقيض من هذا فإن الأبقار التي ترعى العشب والكلأ تتناول غذاءً لا يستطيع الإنسان أن يهضمه، الأمر الذي يعني أنها تضيف إلى كم الأغذية المتاحة لنا.

إنه لمما يدعو للأسف الشديد أن دولاً مثل الصين والهند، التي تشهد ازدهاراً متزايداً، تقلد الطرق الغربية وتضع الحيوانات في مزارع صناعية ضخمة بهدف توفير المزيد من اللحم والبيض للطبقات المتوسطة التي تشهد نمواً ملحوظاً في مجتمعاتها. وإذا ما استمر هذا التوجه فلسوف تتجاوز معاناة الحيوانات النطاق الذي نشهده في الغرب اليوم، هذا فضلاً عن المزيد من الإضرار بالبيئة وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب وسرطانات الجهاز الهضمي. كما أن العملية برمتها سوف تصاب بعجز فادح. إننا كمستهلكين نملك القوة ـ والوازع الأخلاقي ـ لرفض مساندة هذه الطرق التي لا تخلو من قسوة على الحيوان، والتي لن يسلم البشر من أذاها.