Calculator  macro

نهاية المعتاد الجديد؟

واشنطن العاصمة ــ لم تَكَد الفِكرة القائلة بأن الاقتصادات الغربية استقرت على "المعتاد الجديد" المتمثل في النمو المنخفض تكتسب القبول لدى التيار السائد، إلا وبدأت الشكوك تظهر حول استمرار صِلتها بالواقع. وبدلاً من ذلك، ربما يتجه العالم الآن نحو مفترق طرق اقتصادية ومالية، مع توقف الاتجاه الذي قد يسلكه العالم على قرارات أساسية تتعلق بالسياسات.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

في الأيام الأولى من عام 2009، كان "المعتاد الجديد" لم يظهر بعد على أي رادار. وبطبيعة الحال، ألقت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت قبل بضعة أشهر بالاقتصاد العالمي إلى آتون الاضطرابات، الأمر الذي أدى إلى انكماش الناتج، وارتفاع معدلات البطالة، وانهيار التجارة. وكان الاختلال الوظيفي واضحاً جلياً حتى في أكثر قطاعات الأسواق المالية استقراراً وتطورا.

ورغم ذلك، اتجهت غريزة أغلب الناس إلى تشخيص الصدمة باعتبارها مؤقتة وقابلة للإصلاح ــ خلل حاد يتسم بالانكماش الحاد ثم التعافي السريع. فقد نشأت الأزمة على أية حال في الاقتصادات المتقدمة التي تعودت على التعامل مع دورات الأعمال، وليس في بلدان الأسواق الناشئة حيث الغَلَبة لقوى بنيوية ومزمنة.

غير أن بعض المراقبين تبينوا بالفعل دلائل تشير إلى أن الصدمة ستكون أعظم أثرا، حيث تجد الاقتصادات المتقدمة نفسها حبيسة مسار محبط طويل الأمد يتسم بالنمو المنخفض. ففي مايو/أيار 2009، صَرَّحت علناً أنا وزملائي في بيمكو بهذه الفرضية، مطلقين عليها وصف "المعتاد الجديد".

وكان استقبال هذا المفهوم شديد الفتور في الأوساط الأكاديمية والسياسية ــ وهي استجابة مفهومة نظراً لاعتيادهم الشديد على التفكير والتصرف بشكل دوري. وكان قليلون على استعداد للاعتراف بأن الاقتصادات المتقدمة راهنت بكل شيء على نموذج النمو الخطأ، ناهيك عن ضرورة النظر إلى الاقتصادات الناشئة لتبين العوائق البنيوية التي تحول دون تحقيق النمو، بما في ذلك أعباء الدين وفجوات التفاوت المفرطة الاتساع.

لكن الاقتصاد لم يشهد أي ارتداد إلى الأعلى. بل على العكس من ذلك، لم يستمر النمو البطيء والبطالة المرتفعة لسنوات فحسب، بل إن ثلاثية التفاوت (الدخل، والثروة، والفرص) تفاقمت أيضا. وامتدت العواقب إلى ما وراء الاقتصاد والتمويل، فأجهدت الترتيبات السياسية الإقليمية، وضخمت الاختلالات السياسية الوطنية، وساعدت على صعود أحزاب وحركات مناهضة للمؤسسة الرسمية.

ومع تزايد صعوبة تبرير توقعات التعافي السريع، اكتسبت فرضية "المعتاد الجديد" أخيراً قبولاً واسع النطاق. وفي هذه العملية، حظيت ببعض تسميات جديدة. ففي أكتوبر/تشرين الأول، حذرت المدير العام لصندوق النقد الدولي كريستين لاجارد من أن الاقتصادات المتقدمة تواجه "دون متوسط جديدا". وتنبأ وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز بـ"الركود المزمن".

اليوم، لم يعد من المستغرب أن يُشار إلى أن الغرب ربما يطول به المقام عند توازن النمو المنخفض لفترة ممتدة إلى حد غير عادي. ولكن، كما شرحت في كتابي الجديد "اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب الانهيار التالي"، تعمل التوترات والتناقضات الداخلية المتنامية، جنباً إلى جنب مع الإفراط في الاعتماد على السياسة النقدية، على زعزعة استقرار هذا التوازن.

ومع تنامي الفقاعات المالية، تتحور المخاطر المالية، وتتسع فجوة التفاوت، وتستمر القوى السياسية غير التقليدية ــ والمتطرفة في بعض الأحيان ــ في اكتساب المزيد من الثِقَل، ويبلغ التأثير المهدئ الناجم عن السياسات غير التقليدية مداه الأقصى. وتبدو احتمالات تمكن مثل هذه السياسات من الإبقاء على المحركات الاقتصادية دائرة، ولو عند مستويات منخفضة، خافتة على نحو متزايد. وبدلاً من ذلك، يبدو أن الاقتصاد العالمي يسير نحو مفترق طرق آخر، والذي أتوقع أن يبلغه في غضون السنوات الثلاث المقبلة.

وقد لا يكون هذا أمراً سيئا. فإذا بادر صناع السياسات إلى تنفيذ استجابة أكثر شمولا، فسوف يتمكنوا من وضع اقتصاداتهم على مسار أكثر استقراراً وازدهارا ــ مسار يتسم بالنمو المرتفع الشامل، وانحسار فجوة التفاوت، والاستقرار المالي الحقيقي. ولابد أن تتضمن مثل هذه الاستجابة السياسية إصلاحات بنيوية داعمة للنمو (مثل زيادة الاستثمار في البنية الأساسية، وإصلاح الأنظمة الضريبية، وإعادة تجهيز العمالة)، وسياسة مالية أكثر استجابة، وتخفيف أعباء الدين عن جيوب المديونية المفرطة، وتحسين التنسيق العالمي. وهذا من شأنه أن يعمل، جنباً إلى جنب مع الإبداعات التكنولوجية ونشر أصول الشركات الجانبية غير العاملة، على إطلاق العنان للقدرة الإنتاجية، وإنتاج نمو أسرع وأكثر شمولا، في حين يضفي الشرعية على أسعار الأصول، التي يجري رفعها الآن على نحو مصطنع.

أما المسار البديل، الذي يستمر الخلل السياسي في دفع العالم استناداً إليه، فإنه يمر عبر غابة من السياسات التي تتسم بضيق الأفق وغياب التنسيق إلى الركود الاقتصادي، واتساع فجوة التفاوت، وعدم الاستقرار المالي الشديد. ومن شأنه هذه النتيجة أن تعمل، فضلاً عن إلحاق الأذى بالرفاهة الاقتصادية لأجيال الحاضر والمستقبل، على تقويض التماسك الاجتماعي والسياسي.

وسلوك أي من هذين المسارين ليس قدراً محتما. بل إن الاختيار في الوضع الحالي يستحيل التنبؤ به إلى حد الإحباط. ولكن في الأشهر المقبلة، عندما يواجه صناع السياسات تقلبات مالية متزايدة الحدة، سوف نرى بعض الدلائل بشأن الكيفية التي قد تؤول إليها الحال.

والأمل الآن هو أن تشير هذه الدلائل إلى نهج سياسي أكثر انتظاما ــ وبالتالي أكثر فعالية. أما مكمن الخوف فيتمثل في فشل الساسة في الابتعاد عن الاعتماد المفرط على البنوك المركزية، فتنتهي بهم الحال بعد حين إلى النظر وراءهم إلى المعتاد الجديد، رغم كل ما يعيبه من أوجه قصور وقيود وإحباطات، باعتباره فترة من الهدوء النسبي والرفاهة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/zn2jaKJ/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now